وسط الحراك والتدافع الذي يشهد العالم، ورغبة وبحث الجميع عن موطئ قدم في النظام الجديد الذي سيتشكل خلفا للنظام الدولي القائم، لم تعد أفريقيا موقعا هامشيا في التفكير الاستراتيجي للقوى الكبرى، بل أصبحت وترغب أن تكون محوريا في صياغة السياسات الوطنية طويلة المدى.
وتمثل التحولات الديموغرافية، وحجم الأسواق التي تمتلكها، ووفرة الموارد التي تتمتع بها، وموقع القارة في قلب طرق التجارة العالمية، كلها عوامل دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وروسيا إلى إعادة تعريف حضورها في أفريقيا، ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث توصيف طبيعة العلاقة نفسها.
السؤال لم يعد من يستثمر أكثر، بل من يفهم أو ينظر لأفريقيا كشريك متكافئ، راغب أو قادر على التفاوض، وصياغة أولوياته، وفرض شروطه بما يحقق مصالح الطرفين. وما هو دور القارة الأفريقية ونوع الفائدة الذي تنتظره من هذه المبادرات المختلفة.
الولايات المتحدة: براغماتية جديدة
في تطور لافت ينسجم مع استراتيجيتها الجديدة، أعادت الولايات المتحدة ضبط مقاربتها تجاه أفريقيا، وصاغته تحت شعار (أمريكا أولا في أفريقيا)، مبتعدة نسبيا عن الخطاب التقليدي الذي يربط التعاون بالإصلاحات والإشتراطات السياسية الصارمة.
المقاربة الحالية تركز بشكل أكبر على المصالح المشتركة، وتعزيز التعاون الاقتصادي، ودعم سلاسل الإمداد، خاصة في المعادن الاستراتيجية والطاقة والتركيز على التعاون في مجال التقنية.
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لم تعلن أنها تلغي الاهتمام بقضايا الحكم الرشيد، وإنما لم تعد تعتبرها شرطا مسبقا، وإنما تطرحها كمسار موازٍ. وهو تحول يعكس إدراك أن المنافسة مع الصين لا تحسم بالخطاب القيمي، وإنما بالقدرة على تقديم بدائل اقتصادية واقعية.
وفي الجانب الاقتصادي تسعى واشنطن إلى تحفيز استثمارات القطاع الخاص، مع التركيز على الاستثمار في مجالات مختارة مثل الطاقة النظيفة، الاقتصاد الرقمي، والبنية التحتية. ورغم أن حجم التبادل التجاري لا يزال أقل من الطموح، إلا أن التوجه الجديد يمنح الشركاء الأفارقة مساحة أوسع لتحديد أولوياتهم دون ضغوط سياسية مباشرة كما في السابق.
لكن ليس كما يبدو في ظاهر هذا الكلام البراق، فإن خلف هذا الكلام المعسول رغبة للموقف الأمريكي الجديد بالسيطرة والهيمنة بشكل ونموذج جديد قد يكون أقسى وأكثر شراسة من النموذج السابق في رأي المراقبين والخبراء الأفارقة.
بريطانيا: استراتيجية المستثمر وبحث عن دور نوعي
ضمن إعادة تموضعها العالمي، وسعيا للتغلب على التهميش الذي يزداد من نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد تزايد استغناء أمريكا عن دورها وخدماته، تعمل بريطانيا على تقديم وتسويق نفسها كشريك اقتصادي مرن يعتمد على الاستثمار لا المساعدات.
وتعتمد الرؤية التي تقودها حكومة كير ستارمر على الانتقال من نموذج الدعم المالي التقليدي إلى نموذج قائم على تعبئة رأس المال الخاص، وتعزيز التجارة، وخلق فرص عمل.
تراهن بريطانيا على نقاط قوتها النوعية وخبرتها وموروثها المتراكم، وخاصة في التمويل، والتعليم، والخدمات القانونية، والتأمين، مع سعي واضح لدعم إصلاح النظام المالي الدولي، عبر المؤسسات الفاعلة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بما يمنح أفريقيا حضوراً أكبر في صنع القرار، وكما هو معتاد، فإن النظرة البريطانية تمتاز بإعطاء هامش أفضل للشركاء.
هذه المقاربة تبدو أكثر انسجاماً مع تطلعات الأفارقة، لكنها تواجه تحدياً أساسياً يتمثل في محدودية الموارد التي تملكها المملكة المتحدة مقارنة بالمنافسين، ما يجعل نجاحها مرهوناً بقدرتها على تحقيق أو تقديم أثر نوعي لا كمي.
الصين وفلسفتها حول شراكة تنموية قائمة على النتائج
تواصل الصين العمل على ترسيخ حضورها في أفريقيا ضمن استراتيجية صعودها العالمي، وتمثل أفريقيا أحد أعمدة مبادرة الحزام والطريق الصينية.
وتقوم المقاربة الصينية على تمويل البنية التحتية وخاصة الاستراتيجية التي تمس الحاجة إليها في أفريقيا، وتعزيز التصنيع، وربط الاقتصادات الأفريقية بشبكات التجارة العالمية.
وبأرقام تتجاوز 280 مليار دولار في التبادل التجاري، تظل الصين الشريك الأكبر لأفريقيا، مع حضور ملموس في مشاريع الطرق والموانئ والطاقة والمطارات والسكك الحديدية. وما يميز النموذج الصيني هو تركيزه على التنفيذ السريع، وعدم ربط التعاون بشروط سياسية.
ورغم الانتقادات المتعلقة بالديون أو محدودية نقل المعرفة، وتهم الفساد، إلا أن الصين تظل الأقرب إلى تلبية الأولويات الأفريقية الأساسية والأكثر إغراء، فإن التنمية العملية على الأرض، هو ما يفسر استمرار جاذبيتها في القارة.
روسيا: البحث عن نفوذ سياسي بوسائل محدودة
تعتمد روسيا في علاقاتها مع القارة الأفريقية على استراتيجية توسيع النفوذ السياسي والأمني دون انخراط اقتصادي يذكر. وحضورها يتركز على مجالات بيع السلاح، والتدريب العسكري، والطاقة، مع هامش في نقل خبراتها في مجالات الزراعة إلى حد ما، وخطاب داعم لسيادة الدول ورافض للضغوط الغربية، ودور إعلامي مشهود عبر وكالة الأنباء الروسية التي ترغب في الظهور كداعم لقضايا العالم الثالث، مع الرغبة في الخروج من العزلة التي فرضت عليها.
ورغم محدودية حجم التبادل التجاري مع القارة الأفريقية، فإن موسكو نجحت في بناء علاقات مؤثرة في بعض الدول، كما هو الحال في وسط وغرب أفريقيا وتحديدا دول الساحل، مستفيدة من حاجتها إلى دعم أمني سريع. ومع ذلك، تظل مساهمتها في التنمية الاقتصادية محدودة، ما يجعل دورها أقرب إلى التكامل السياسي منه إلى الشراكة الاقتصادية الشاملة التي ينشدها الأفارقة في علاقتها الراهنة والمستقبلية.
أفريقيا والتطلع للعب دور شريك يفرض أولوياته
في ظل هذا التنافس أو التهافت الدولي، والسعي في تشكل نظام دولي جديد، تبرز وترغب أفريقيا للعب دور فاعل متزايد التأثير، لا كطرف متلق. وأولويات القارة باتت واضحة، وتبرز في لعب دور سياسي في الساحة الدولية، مع القيام بالتصنيع، وخلق فرص العمل، وتطوير البنية التحتية، وتوطين ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
كما تسعى الدول الأفريقية إلى تنويع شراكاتها، والاستفادة من التنافس الدولي دون الوقوع في فخ التبعية لأي طرف. هذا التوجه يعكس نضجا سياسيا واستراتيجيا، حيث أصبحت القارة تدير علاقاتها وفق منطق المصالح المتبادلة، مع الحرص على تنويع مصالحها بدل الارتهان في نطاق أو تكتل واحد.
وفي الختام ميزان جديد للعلاقات الدولية
التحول في الاستراتيجيات الأمريكية والبريطانية، مع الثبات النسبي في تعاطي السياسات الصينية والروسية، انعكاس يظهر أن العالم يتكيف مع أفريقيا جديدة أكثر وعيا وثقة بنفسها. والنجاح في هذه المرحلة ليس لمن يفرض شروطه، بل لمن يفهم أولويات القارة، ويقبلها كشراكات حقيقية. لم يعد الأفارقة باحثين عن مانحين، بل عن شركاء جادي. ومن يتقبل ويدرك هذه الحقيقة، سيكون جزءا من مستقبلها، لا مجرد عابر ومستفيد في مسارها.
