في خطوة وُصفت بأنها الاختراق السياسي الأبرز منذ عام 2021، نجح تحالف واسع من القوى السياسية والمدنية السودانية في التوصل إلى توافق شامل حول خارطة طريق موحدة لإنهاء الحرب المدمرة التي تمزق البلاد.
وجااء هذا الإعلان عقب مشاورات مكثفة احتضنتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بتيسير من الآلية الخماسية الدولية والإقليمية التي تضم الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، جامعة الدول العربية، ومنظمة “إيغاد”. ويمثل هذا التوافق محاولة جادة لإعادة الصوت المدني وصياغة جبهة موحدة قادرة على فرض مسار سلمي يتجاوز منطق السلاح وصراع الجنرالات على السلطة.
وتعكس قراءة الخلفيات العميقة لهذه الأزمة أن الانفجار العسكري لم يكن وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لانسداد الأفق السياسي وتصاعد التوترات حول قضايا الإصلاح الأمني وهيكلة الجيش، وتحديداً شروط دمج قوات الدعم السريع داخل المؤسسة العسكرية النظامية.
ومع اندلاع المواجهات، تحول السودان سريعاً إلى ساحة لتصفية الحسابات ومد النفوذ الإقليمي. وفي هذا السياق، برز الدور المصري الداعم بقوة للسلطة العسكرية بقيادة الجيش؛ حيث ترى القاهرة في المؤسسة العسكرية السودانية الضامن الوحيد للحفاظ على تماسك الدولة، وحماية أمنها القومي على الحدود الجنوبية، وضمان التنسيق الاستراتيجي في ملفات حيوية مثل أمن البحر الأحمر وملف سد النهضة. هذا الدعم المصري، المقابل باستقطاب إقليمي ودعم لوجستي متبادل لأطراف الصراع، ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد مبادرات الحل السابقة.
وسط هذه التعقيدات الإقليمية، يأتي اتفاق أديس أبابا ليجمع تحت مظلته طيفاً عريضاً من المكونات السودانية، من بينها تحالف الصمود، التكتل الديمقراطي، حزب البعث العربي الاشتراكي الأصلي، حزب المؤتمر الشعبي، وحزب الأمة القومي، إلى جانب منظمات نسوية وشبابية ومجتمع مدني.
ونص البيان المشترك الصادر عن هذه القوى على تشكيل لجنة تحضيرية تتولى إطلاق عملية سياسية شاملة بقيادة سودانية خالصة.
ولا تقتصر الرؤية المشتركة على وقف إطلاق النار فحسب، بل تمتد لتأسيس عقد اجتماعي جديد يعالج جذور الأزمة عبر مكافحة خطاب الكراهية والعنصرية، وتضميد الانقسامات الاجتماعية، فضلاً عن السعي نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية ومعالجة قضايا الفقر والتهميش التاريخي.
ورغم الأجواء الإيجابية التي تفرضها هذه الخطوة، فإن التحديات لم تتأخر في البروز؛ إذ رَفَضَ جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد النور التوقيع على الوثيقة، مبرراً موقفه بالخلاف حول قرار استبعاد حزب المؤتمر الوطني (الحاكم سابقاً) والحركة الإسلامية من العملية السياسية المقترحة.
ويضع هذا الانقسام خارطة الطريق الجديدة أمام اختبار حقيقي حول قدرتها على الصمود وتحقيق شمولية فعلية، في وقت يترقب فيه الشارع السوداني مدى قدرة هذا الحراك المدني المدعوم دولياً على الضغط على الآلة العسكرية والدول الإقليمية المتنافسة لوقف نزيف الدم وإعادة البلاد إلى مسار الانتقال الديمقراطي.
