غيّب الموت صباح يوم الأحد 12 يوليو 2026، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، باني نهضة دولة قطر الحديثة، عن عمر ناهز 74 عاما.
وبوفاته، تُطوى صفحة تاريخية استثنائية لقائد لم يغير خارطة بلاده الفتية فحسب، بل أعاد رسم التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة والعالم محولا قطر من شبه جزيرة معزولة سياسيا ومحدودة التأثير، إلى لاعب دولي محوري ورائد اقتصادي ودبلوماسي يشار.
فمنذ توليه مقاليد الحكم عام 1995، واجه الشيخ حمد التحديات التنموية برؤية جريئة قادت أضخم مشروع استثماري في قطاع الطاقة ركز على تسييل الغاز الطبيعي المسال، لتصبح قطر في عهده أكبر مصدر له في العالم، ويتضاعف ناتجها المحلي الإجمالي أكثر من 24 مرة، ليتصدر المواطن القطري قائمة أعلى مستويات الدخل عالميا
وترافقت هذه الطفرة مع ثورة شاملة ف البنية التحتية شملت بناء مطار وميناء حمد الدوليين، والمدن الحديثة كمدينة لوسيل، ووضع حجر الأساس لاستضافة مونديال قطر 2022 التاريخي.
ولم يقتصر بناء الدولة على الداخل، بل امتدت الرؤية الثاقبة للأمير الوالد لتصنع من قطر قوة ناعمة لا يمكن تجاوزها، وكان أبرز تجلياتها تأسيس شبكة الجزيرة الإعلامية في 1 نوفمبر 1996 بقرار أميري شجاع، أحدث ثورة إعلامية حطمت الرقابة الحكومية التقليدية في العالم العربي، وحملت شعار “الرأي والرأي الآخر” لتنافس كبرى المنصات الغربية ووزارات الإعلام بجرأة غير مسبوقة
ومن خلال التغطيات التاريخية للانتفاضة الفلسطينية الثانية، وحروب أفغانستان والعراق، وصولاً لتغطية ثورات الربيع العربي، تحولت الجزيرة بتوسعها اللغوي إلى إمبراطورية كبرى رفعت صوت “الجنوب العالمي” ووفرت للدوحة حماية معنوية وسياسية هائلة جعلت منها ركيزة أساسية للدبلوماسية الدولية والوساطات وحل النزاعات المعقدة في لبنان، والسودان، وأفغانستان، والقرن الأفريقي.
وقد امتازت هذه السياسة الخارجية بالوقوف المبدئي والشجاع مع قضايا الشعوب المظلومة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؛ إذ يحفظ له التاريخ أنه الزعيم العربي الوحيد الذي كسر الحصار المفروض على قطاع غزة بزيارته التاريخية لإعادة إعمارها عام 2012، ومواقفه الصارمة في الدعوة لقمم طارئة نصرة للقدس وفلسطين
وفي خطوة وصفت بأنها درس بليغ في الحكمة و مأسسة الدولة عبر إصدار الدستور الدائم وصياغة “رؤية قطر الوطنية 2030” وخطوة غير مسبوقة في تاريخ المنطقة، أثبت الشيخ حمد بن خليفة أنه قائد متمرس سابق لزمانه وبعيد النظر حين قرر طواعية في يونيو 2013 نقل سلطاته وتسليم مقاليد الحكم إلى نجله سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مفسحاً المجال للجيل الشاب، على عكس الحكام الذين يتمسكون بالسلطة حتى الموت. وجاء هذا الدرس التاريخي تجسيداً لمقولته الخالدة: “إنني أردت أن أنقل السلطة وأنا ما زال ظهري منتصباً، وقبل أن تفرض عليّ الظروف والأيام نقلها”، وهو ما وضع قطر في مسار آمن مكنها من تحقيق انتقال سلس ومستقر للحكم ضمن لها مواصلة مسيرة النمو دون اهتزازات.
هذه السيرة الحافلة جعلت من نبأ وفاته هزة حقيقية في الأوساط الدولية، حيث توالت برقيات العزاء المأثورة التي نعت حكيم الشرق وصانع أمجاد قطر الحديثة
وفي هذا الصدد وأعربت مفوضية الاتحاد الأفريقي في تعزيتها عن حزنها لرحيل الأمير الوالد مؤكدة: “سنتذكره دائماً كشريك موثوق وصديق كبير للقارة الأفريقية، ساهم بحنكته الدبلوماسية في دعم مبادرات السلم والأمن وحل النزاعات في ربوع القارة وسعى لبناء جسور تعاون اقتصادي متينة”.
ومن جانبها، قدمت إثيوبيا خالص تعازيها للقيادة والشعب القطري، مشيرة إلى أن “الأمير الوالد كان قائداً تاريخياً فذاً، تميزت فترته ببدء حقبة مميزة من العلاقات الثنائية القوية بين أديس أبابا والدوحة، والعمل المشترك من أجل استقرار منطقة القرن الأفريقي”.
وبقلوب يعتصرها الألم ومؤمنة بقضاء الله وقدره، يتقدم فريق التحرير وكافة العاملين في منصة نيلوتيك بوست بخالص التعازي والمواساة وصادق مشاعر التضامن إلى الأسرة الحاكمة الكريمة في دولة قطر، وإلى الشعب القطري الكريم، وإلى قيادة دولة قطر الرشيدة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد. الذي أثبت للعالم أنه خير خلف لخير سلف؛ حيث سار على ذات خطى الحكمة والتميز، وقاد قطر بثبات وعزيمة نحو آفاق أرحب من الرفاهية والريادة والاستقرار، محافظاً بأمانة واقتدار على الإرث الدبلوماسي والتنموي والإنساني العظيم الذي تركه الأمير الوالد “رحمه الله”. نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ورضوانه، وأن يسكنه فسيح جناته، ويلهم قطر وشعبها والأمتين العربية والإسلامية الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
