المؤتمر الدولي لعفر البحر الأحمر محطة لاستشراف المستقبل

سعيد أحو1 يناير 2026Last Update :
المؤتمر الدولي لعفر البحر الأحمر محطة لاستشراف المستقبل

المثلث العفري هو منطقة جيواستراتيجية تقع في شرق أفريقيا، وتتقاطع فيها حدود ثلاث دول، وهي إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، ويتميز المثلث العفري بتضاريس صحراوية وبركانية، ويضم أخفض نقطة في أفريقيا، وهي منطقة (دالول) بإقليم العفر في إثيوبيا.
ويقطنه الشعب العفري الذي تجمعه وحدة اللغة والثقافة رغم انقسامه بين الدول الثلاث.
والمنطقة غنية بالمعادن كالملح والبوتاس، ويمثل منطقة عبور مهمة بين البحر الأحمر والداخل الإفريقي. كما أن المثلث ظل مهمشاً في السياسات الوطنية باستثناء ما حصل عليه الجزء الواقع في إثيوبيا من حكم ذاتي، ما أدى إلى مطالبات سكانه بمزيد من الحكم الذاتي والاعتراف بالهوية العفرية العابرة للحدود.
و يتمتع بالأهمية الجيوسياسية بسبب موقعه المحوري على البحر الأحمر وخليج عدن، وقربه من ممرات الملاحة الدولية، ونفوذ إقليمي ودولي متصاعد في المنطقة، مما جعل هذا المثلث أحد أبرز مناطق التقاطع بين الهوية العرقية والحدود السياسية في إفريقيا.

إطلالة على إقليم العفر في إثيوبيا

ويعد إقليم العفر في إثيوبيا أحد الأقاليم القومية الإحدى عشر، ويتميّز بكونه موطنًا لقومية العفر، التي تحتفظ بلغتها وثقافتها وإدارتها المحلية، ويتمتع بحكم ذاتي موسع في إدارة شؤونه ضمن النظام الفيدرالي الإثيوبي القائم على القوميات، حيث يمتلك حكومة إقليمية، وسلطات في المجالات الخدمية والتنموية.
كما يسهم الإقليم، وبسبب موقعه الجغرافي الحيوي في التكامل الاقتصادي مع الأقاليم المجاورة، كأروميا وأمهرا وتيغراي وإقليم الصومال الإثيوبي، إضافة إلى ارتباطه بميناء جيبوتي، ما يجعله بوابة تجارية مهمة لإثيوبيا.

ويتطلع شعب العفر الممتد بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، إلى تحقيق تكامل شعبي واقتصادي حقيقي بين دول المنطقة، ليمكنهم من الاستفادة من مواردهم الطبيعية، وموقعهم الجغرافي المهم على البحر الأحمر.
فالعفر باعتبارهم شعبًا واحدًا مقسمًا بين ثلاث دول، يرون في التعاون الإقليمي وفتح الحدود للتجارة والتنقل فرصة لتنمية مجتمعاتهم التي تعاني من التهميش وندرة الخدمات.
كما يطمحون إلى مشاريع اقتصادية مشتركة في مجالات الرعي والنقل بكل أشكاله، تعزز الاستقرار، وتوفر فرص العمل، إلى جانب دعم التعليم والرعاية الصحية.
إن التكامل الإقليمي ليس خيارا سياسيا فحسب، بل هو حاجة شعبية ملحة للعفر من أجل النهوض بتنميتهم الذاتية ضمن بيئة سلمية وتعاونية في القرن الإفريقي.

عفر البحر الأحمر: التاريخ والواقع والتطلعات

تقع منطقة دنكاليا، وبمساحة تتجاوز 30,000 كيلو مترا مربعا بما يشمل الساحل الجنوبي الشرقي لإريتريا، وهي الموطن التاريخي للشعب العفري، وعرف العفر في دنكاليا بتاريخهم العريق في التجارة والرحلات البحرية على امتداد البحر الأحمر.
ولقد كانت المنطقة تحكم من قبل أهلها في إطار المثلث العفري عن طريق شيوخ وسلاطين العفر قبل خضوعها للحكم الإيطالي، ثم الإثيوبي، قبل أن تصبح جزءا من الدولة الإرترية بعد استقلالها عام 1993.
وخلال هذه الفترات، احتفظ العفر بخصوصيتهم الثقافية والاجتماعية التي يشترك فيها معهم إخوانهم في كل من إثيوبيا وجيبوتي، وهو ما استمروا عليه رغم التهميش السياسي إلى يومنا هذا.

ورغم الأهمية الجغرافية والاستراتيجية لدنكاليا، إلا أن سكانها يعانون من التهميش والتضييق في ظل النظام الإريتري الحالي. ويشكو العفريون في دنكاليا من غياب التمثيل السياسي، وحرمانهم من استخدام لغتهم وثقافتهم في المؤسسات الرسمية، ومن نقص حاد في الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والمياه.
كما أن مشاريع الدولة، كالميناء والمصانع، غالبًا ما تقام دون استشارة المجتمع المحلي أو ضمان استفادته منها.

ويتطلع سكان دنكاليا، وبخاصة الشباب والمثقفين منهم، إلى نيل حقوقهم الكاملة ضمن إطار الحكم المحلي أو الذاتي، والمشاركة في صنع القرار.
كما يطمح العفر لتحقيق تنمية شاملة، وحماية ثقافتهم وهويتهم، والانفتاح على شعوب العفر في إثيوبيا وجيبوتي لتعزيز التكامل الإقليمي، ويعبر كثير منهم عن رغبة في الخروج من العزلة المفروضة، والانخراط في مستقبل أكثر حرية وعدالة ومشاركة، وهو يعبر عنه النزوح إلى دول الجوار، وعلى رأسها إثيوبيا بالجملة، وما يظهرونه من رغبة جادة للإنخراط في الكفاح المسلح للوصول إلى غايتهم في والعيش الكريم في وطنهم.

المؤتمر الدولي الأول لعفر البحر الأحمر

وانطلاقا من هذه الخلفيات انطلق المؤتمر الدولي لعفر البحر الأحمر في مدينة سمرا – عاصمة إقليم العفر في إثيوبيا، تحت عنوان “رؤية القرن1″، لمناقشة مسألة الحكم الذاتي لعفر البحر الأحمر، وسبل تعزيز دورهم في إدارة شؤونهم داخل إريتريا. واستمرت مداولات المؤتمر على مدى يومي 29 و30 من ديسمبر 2025، برعاية مركز القرن الإفريقي للسياسات، وبمشاركة أكثر من 400 شخصية من السلاطين والأعيان، والأكاديميين وممثلي الأحزاب السياسية، والناشطين من إرتريا وإثيوبيا وجيبوتي، وبقية دول القرن الإفريقي والشتات.

وجاء عقد المؤتمر في ظرف إقليمي دقيق، بهدف تسليط الضوء على قضية عفر البحر الأحمر ومطالبهم المشروعة، وتعزيز الدور القيادي للعفر في إدارة شؤونهم داخل إريتريا، ومناقشة الأبعاد القانونية والسياسية للحقوق العفرية في إرتريا وللمطالبة بهذه الحقوق في إطار الشرعية الدولية.

وعُقد المؤتمر تحت رعاية السلطان عبدالقادر حيسما محمد، سلطان سلطنة جريفو ، الذي يقع معظم أراضي دنكاليا ضمن إطار سلطته التقليدية.

و شهد المؤتمر تقديم أوراق ومداخلات متعددة ومتنوعة، من قبل خبراء عالميين للشؤون القانونية والإنسانية، وعلى رأسهم البرفسور محمد عبدالسلام بابكر، المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إرتريا عبر منصة الزوم لبحث الأبعاد السياسية والقانونية لقضية دنكاليا، ووضع رؤية موحدة لعفر البحر الأحمر نحو تحقيق العدالة الإدارية، وضمان الحقوق السياسية والثقافية، عبر حوار شامل بين مختلف مكونات المجتمع العفري في دنكاليا.
كما تم عقد ورش عمل تناولت دور الأعيان والسلاطين، ومساهمة الأكاديميين في تأطير المطالب قانونيا، واستعراض رؤية القوى السياسية المعارضة للنظام الإرتري، ما أسفر عن وثيقة ختامية تؤكد على وحدة الصف العفري، مع دعوة لتحرك دولي منظم تجاه هذه القضية.

وفب جلسات الحوار الخاصة بأعيان وسلاطين العفر حيث تم مناقشة دور المؤسسة التقليدية في الحفاظ على الهوية العفرية، وإبراز الشرعية التاريخية للعفر في منطقة دنكاليا، وبحث آليات دعم التواصل بين زعماء الداخل والخارج. القوى السياسية المعارضة للنظام الإريتري.

وعلى المستوى الأكاديمي تم تقديم أوراق علمية في القانون الدولي حول الحق في الإدارة الذاتية، و مناقشة خيارات الحلول الممكنة بين الفيدرالية والحكم الذاتي للعفر في دنكاليا وفق المواثيق الدولية، وسبل إيقاف الانتهاكات الواقعة على العفر في دنكاليا منذ 1993.

الطريق نحو المستقبل

وفي الختام يمكن القول بأن المؤتمر ساهم في تقديم رؤية استراتيجية لـرسم بوصلة جديدة للنضال السلمي والحقوقي و توحيد جهود المكونات العفرية بمختلف أطيافها نحو هدف مشترك.

وفي الختام خرج المؤتمر بتوصية بتشكيل لجنة تنسيق دائمة للعفر البحر الأحمر.و التحرك دوليا واعلاميا وحقوقيا تعزيز قنوات التواصل بين الداخل والخارج العفري.

يمثل هذا المؤتمر تحولا نوعيا في إعادة الاعتبار للقضية العفرية في البحر الأحمر، وهو يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات سياسية، واهتماما متزايدا بالموانئ والمعابر البحرية، مما يُحتم على العفر أن يستعيدوا موقعهم كشركاء لا كضحايا، وهو ما سعى إليه المؤتمر ببناء رؤية استراتيجية جامعة للعفر في الداخل والخارج، وبصورة توازن بين النضال الحقوقي والسياسي، والشرعية التاريخية، ورسم طريق سلمي لاستعادة حقوقهم في إريتريا من خلال أدوات السياسة والقانون والتعبئة الجماهيرية.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept