نيلوتيك بوست

انتخابات إثيوبيا… قطار يمضي رغم تحديات الواقع وصيحات المرجفين

alt=

في عام 1997، أي قبل نحو تسعة وعشرين عاماً، حينما كنت طالباً في كلية القانون، جرى بيني وبين أستاذي لمادة القانون الدستوري—وهو بروفيسور باكستاني كبير السن، نضجت خبرته في دهاليز السياسة والقانون—حوارٌ لا يزال محفوراً في ذاكرتي. سألني يومها: “ما هو النظام الدستوري في إثيوبيا؟”.

انطلقت بحماس الطالب أشرح له بنود دستور عام 1994، وكيف أسس لدولة فيدرالية حديثة. قاطعني بسؤال أعمق: “وهل توجد لديكم انتخابات؟”. أجبته على الفور: “توجد انتخابات… ولكن…”. وقبل أن أسترسل في سرد المآخذ والتحفظات، استوقفني بابتسامة حكيمة وقال: “لا تكمل يا بني؛ فأنا أعرف طبيعة الانتخابات في العالم النامي، ومنها بلدي باكستان.

لكن تذكر دائماً: أهم شيء في بناء النظام السياسي هو أن تدور عجلته بانتظام، لترسخ في أذهان الأجيال المتعاقبة عقيدة راسخة بأنه لا شرعية لأي سلطة إلا من خلال صناديق الاقتراع… أما بقية التفاصيل وتجويد الممارسة، فمتروك للزمن”.

اليوم، تدور عجلة الزمان وتثبت إثيوبيا صدق نبوءة ذلك البروفيسور الحكيم. فها هي بلادنا تمضي قُدماً متمسكةً بالمسار الدستوري رغم التحديات الجسيمة، لتخوض محطات انتخابية متتالية منذ إقرار الدستور.

إن الذين يستهزئون بالتجربة الانتخابية الإثيوبية، ويرونها مجرد “عبث”، يغفلون عن حقيقة سياسية كونية: لا توجد انتخابات مثالية بلا تحديات في أي بقعة من العالم، وفي المقابل، لا توجد دولة تحترم نفسها، أو نظام سياسي ناضج، يقرر تأجيل استحقاقاته الدستورية وتعليق الحياة السياسية بحجة “انتظار حل جميع المشاكل”. التحديات تُحل داخل النظام والمؤسسات، وليس بالانقلاب عليها أو تجميدها.

لهؤلاء المشككين المرجفين نقول بوضوح: إن روما لم تُبنَ في يوم وليلة، والديمقراطيات العريقة التي نراها اليوم لم تولد ناضجة، بل عُمّدت بالتجارب المتراكمة والأخطاء والتصحيح عبر العقود.

أما أولئك الظلاميون الذين أعماهم الإحباط، فلا يرون في الوطن إلا السواد، ويدعون بغباء سياسي إلى هدم كل ما بُني، والبدء دائماً من الصفر؛ فنقول لهم: تمسكوا بأوهامكم، فصناديق الاقتراع ستظل هي الفيصل وميدان أكبر الممارسات الديمقراطية القارية في أفريقيا. إنها ملحمة شعب يرفض الفوضى ويختار المؤسسات الدستورية والاستقرار.

ستنتهي جولة، وتأتي جولات أخرى، ومع كل دورة جديدة ستدور العجلة لتعزز الوعي السياسي، وتُصلح النظام، وتُهذّب الممارسة، وتجعل إثيوبيا أقرب إلى واحة الديمقراطية المستقرة.

إلى المراهنين على سقوط الدولة، والذين يعتقدون واهمين أن النظام الإثيوبي في مهب الريح، وأن الوطن سيتلاشى مع عواصف التحديات، نرد عليهم بلغة الواثق بمؤسساته وشعبه: “قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ”. فالتاريخ يكتبه من يتحرك إلى الأمام ويدير العجلة، لا من يقف على الرصيف يندب الحظ وينتظر السقوط.

Exit mobile version