مقدمة
قراءة زيارة نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لانداو وقائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) الجنرال داغفين أندرسون إلى إثيوبيا وهي الثانية له خلال أشهر ضمن سياق إقليمي بالغ التعقيد، يتقاطع فيه التنافس الدولي على القرن الأفريقي مع تصاعد التوترات المرتبطة بحوض النيل وأمن البحر الأحمر، فضلًا عن التحولات الداخلية التي شهدتها إثيوبيا والمنطقة خلال الأعوام الأخيرة.
وتكتسب الزيارة أهميتها ليس فقط من مستوى التمثيل الأميركي الرفيع، بل من طبيعة اللقاءات والأنشطة التي صاحبتها، والتي عكست مقاربة أميركية جديدة متعددة الأبعاد تجاه إثيوبيا، تتجاوز البعد السياسي التقليدي إلى الأبعاد الأمنية والعسكرية والاقتصادية والرمزية التي تمثلها.
السياق الإقليمي والدولي للزيارة
جاءت الزيارة ضمن جولة بدأت بالقاهرة ثم أديس أبابا ثم نيروبي ثم جيبوي في لحظة يشهد فيها القرن الأفريقي حالة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة. فحرب السودان أضعفت أحد أعمدة التوازن الإقليمي، والصومال يواجه تحديات أمنية وبنيوية، وأرض الصومال عززت مسيرتها بالحصول على اعتراف دولي على يد إسرائيل، فيما تصاعدت عسكرة البحر الأحمر على خلفية التطورات في غزة واليمن، وما رافقها من تهديد لحركة الملاحة الدولية. في هذا السياق، عادت إثيوبيا إلى واجهة الحسابات الدولية بوصفها الدولة الأكبر سكانيا والأكثر تأثيرا في توازنات شرق أفريقيا.
في الوقت ذاته، يشهد حوض النيل حالة جمود سياسي حول ملف سد النهضة وانسحاب مصر من المفاوضات، وتزامنت مع خطاب أميركي سابق – في عهد الرئيس دونالد ترامب – اتسم بلهجة ضغط واضحة تجاه إثيوبيا، ما ترك أثرا سلبيا عميقا في الوعي السياسي الإثيوبي، وشعور بتوظيفه لصالح مشروع السلام في الشرق الأوسط. كما تزامنت الزيارة مع تحركات مصرية نشطة في القرن الأفريقي، سعت القاهرة من خلالها إلى توسيع حضورها الدبلوماسي والأمني في محيط إثيوبيا الاستراتيجي.
دلالات التمثيل الأميركي
يعكس الجمع بين نائب وزير الخارجية الأمريكي وقائد أفريكوم إدراكا أميركيا متقدما لطبيعة الدور الإثيوبي الجديد. فالولايات المتحدة لا تميل إلى إيفاد هذا المستوى المزدوج من التمثيل إلا عندما يتعلق الأمر بدولة تعد محورا لتقاطعات سياسية وأمنية وربما اقتصادية في آن معا. ويشير ذلك إلى أن واشنطن لم تعد تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها مجرد ملف مرتبط بحقوق الإنسان أو النزاعات الداخلية كما جرت العادة لعقود، بل بوصفها ركيزة وشريك للاستقرار الإقليمي، أو على الأقل دولة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة أمنية تخص شرق أفريقيا والبحر الأحمر.
لقاءات لسياسية لإعادة ضبط العلاقة
شكلت اللقاءات التي عقدها الوفد الزائر مع رئيس الوزراء الإثيوبي ووزير الخارجية مؤشرا واضحا على انتقال واشنطن من مرحلة إدارة الخلاف إلى مرحلة إعادة الاشتباك السياسي. فبعد سنوات من التوتر النسبي والضغوط الدبلوماسية بين البلدين، يبدو أن الإدارة الأميركية خلصت إلى أن سياسة العزل أو الضغط الأحادي الذي ظلت تتبعه لم تنتج تغييرا جوهريا في السلوك الإثيوبي، بل دفعت أديس أبابا إلى توسيع هوامشها مع قوى دولية أخرى وخاصة الصين وروسيا.
وعليه يمكن قراءة هذه اللقاءات بوصفها محاولة لإعادة فتح قنوات الحوار الاستراتيجي حول ملفات إقليمية كبرى وبروؤية جديدة، وفي مقدمتها سد النهضة، دون العودة إلى لغة التهديد أو الوساطة القسرية التي أثبتت فشلها في السابق كما رأيناه في جولة مفاوضات واشنطن 2019-2020 التي أخفقت في إحداث اختراق رغم الإغراء أو التهديد.
البعد العسكري والأمني للزيارة
يحمل اللقاء الذي أجراه الوفد مع وزيرة الدفاع الإثيوبية والمشاركة في فعاليات ختام الاحتفال بمرور تسعين عاما على تأسيس القوات الجوية الإثيوبية دلالة رمزية وأمنية بالغة. فالقوات الجوية الإثيوبية التي تعد من أقدم وأهم المؤسسات العسكرية في أفريقيا، ومساهمة الولايات المتحدة الأمريكية في تقديم الدعم الفني عند التأسيس كما أشار نائب الوزير، وحافظت على تماسكها المؤسسي رغم النزاعات الداخلية التي شهدتها البلاد. ومن خلال هذه المشاركة بعثت واشنطن برسالة مفادها أن المؤسسة العسكرية الإثيوبية لا تعد هدفا للإضعاف أو الإقصاء، بل عنصرا يمكن البناء عليه في معادلات الاستقرار الإقليمي الذي اتفق الطرفان على التعاون فيه.
كما تعكس هذه الخطوة اهتماما أميركيا خاصا بسلاح الجو والإشادة به من الوفد الزائر، نظرا لدوره الفاعل والمؤثر في موازين القوة الإقليمية، ولارتباطه المباشر بقضايا الأمن الجوي والبحري في شرق أفريقيا، ولا سيما في ظل السيولة الأمنية المنتشرة، واستمرار حركات الإرهاب العابر للحدود، وما يمثله من تهديد إقليمي ودولي.
الاقتصاد كمدخل للاستقرار
تؤكد اللقاءات التي أجراها الوفد مع وزير المالية ومحافظ البنك المركزي الإثيوبي أن البعد الاقتصادي يشكل ركيزة أساسية في المقاربة الأميركية الجديدة تجاه إثيوبيا اليوم. فالولايات المتحدة تدرك أن أي انهيار اقتصادي واسع في بلد يتجاوز عدد سكانه 130 مليون نسمة ستكون له تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية إلى الإقليم بأسره، سواء عبر الهجرة أو عدم الاستقرار الأمني. كما أن هناك قواسم وفرص مشتركة يمكن تعزيزها والبناء عليها لمصلحة البلدين والإقليم.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن واشنطن مهتمة بربط الإصلاحات الاقتصادية التي تم تنفيذها، وأهمية استقرار العملة الإثيوبية، والانخراط مع المؤسسات المالية الدولية بمسار سياسي أكثر استقرارا، في
محاولة لإعادة دمج إثيوبيا تدريجيا في المنظومة الاقتصادية الدولية، بعيدا عن ربط ذلك بالملفات السياسية الداخلية كما جرت العادة في تعامل الإدارة الأمريكية في السابق.
الرمزية الاستراتيجية لزيارة الخطوط الجوية الإثيوبية
لا يمكن النظر إلى زيارة الوفد الأمريكي لمقر الخطوط الجوية الإثيوبية بوصفها خطوة بروتوكولية فحسب. فهذه الشركة التي تمثل أحد أبرز رموز النجاح المؤسسي الإثيوبي، وكونها أداة فعالة للقوة الناعمة، ووسيلة لربط القارة الأفريقية بالعالم. ونموذجا للتعاون الاقتصادي بين الطرفين بحكم علاقتها بعملاق صناعة الطيران الأمريكي بوينج التي افتتحت مركزا إقليميا لها في أديس أبابا. ومن خلال هذه الزيارة، أرسلت واشنطن رسالة اعتراف ضمنية بقدرة الدولة الإثيوبية على إدارة مؤسسات كبرى بكفاءة، رغم التحديات السياسية والأمنية التي تواجهها.
سد النهضة، المنفذ البحري، والتحرك المصري
في خلفية الزيارة يظل ملف سد النهضة الإثيوبي حاضرا بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية كما أرادته مصر وسعت له. وتدرك واشنطن أن أي انحياز صريح لطرف على حساب آخر قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي غير محسوب يفشل مساعيها الحثيثة. لذلك، تسعى الإدارة الأميركية إلى إعادة تموضعها في هذا الشأن كفاعل يهدف إلى إدارة التوازنات لا كسرها.
كما أن المطلب الإثيوبي المتكرر بالحصول على منفذ بحري وبشكل جاد، إلى جانب التحركات المصرية المتزايدة في القرن الأفريقي والجوار الإثيوبي، يثيران قلقا أميركيا منطقيا من احتمال تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى إقليمية متنافسة قد تسعى أطراف إقليمية ودولية منافسة لاستغلاله بشكل قد يخرجه من السيطرة، وهو سيناريو تسعى واشنطن إلى تفاديه ومنع حدوثه.
الخاتمة
في المحصلة بالإمكان أن نقرأ زيارة نائب وزير الخارجية الأميركي وقائد أفريكوم إلى إثيوبيا بوصفها جزءا من عملية مدروسة لإعادة تموضع أميركي أوسع في القرن الأفريقي. فهي لا تمثل دعما مطلقا لإثيوبيا، ولا تعني العودة إلى سياسة الضغط المباشر التي ظلت متبعة لعقود، بل تعكس إدراكا أميركيا متزايدا بأن استقرار شرق أفريقيا وحوض النيل والبحر الأحمر لا يمكن فصلها عن بعض، ولا يمكن تحقيق ضبط الإيقاع فيه دون إشراك إثيوبيا، بوصفها فاعلا مركزيا. وتبقى هذه الزيارة مؤشرا على بداية مرحلة جديدة من التفاعل الحذر مع إمكان تطويره، كما أن الزيارة تتسم بمحاولة الموازنة بين المصالح الأميركية، والهواجس الإقليمية، والواقع الجيوسياسي المعقد للمنطقة.















