نيلوتيك بوست

كيف حولت ” عقيدة  إسياس ” إرتريا إلى بندقية إيجار ضد إثيوبيا

alt=

في خطوة مدروسة وموجه بعناية ووضوح ألقى وزير الخارجية الاثيوبي غيديون ثيميوس كلمة في ندوة عالية المستوى نظمتها جامعة اديس أبابا مع مجلة هورن ريفيو وبحضور  جمع كبير من دبلوماسيين وأكاديميين ورجال الفكر والاعلام.

ويمكن القول بأن كلمة الوزير الإثيوبي  تذهب أبعد من مجرد تشخيص التوترات الراهنة في القرن الإفريقي إلى توضيح عمق وجذور الأزمة المزمنة للعلاقات الإثيوبية الإرترية.

فالوزير بين بلغة لها دلالات واضحة وبعيدا عن التوتر والتشنج رؤية إثيوبيا الدبلوماسية للأزمة المزمنة للعلاقات الاثيوبية الإرترية وفي اطارا فكري واضح. 

ومسألة فهم جذور أزمة العلاقات الاثيوبية الإرترية مهمة جدا للمتابعين والمراقبين وصناع القرار الذين يبحثون عن فهم عميق لخلفيات التوترات الحالية وسياقاتها التاريخية حتى لا  ينتهي بهم الأمر في متاهات التطورات المتتالية والاحداث الراهنة فلا يدركوا من جذور الأزمة شيئا. 

إرتريا بين الثورة والدولة 

ارتريا الثورة تشكلت عبر سرديات تاريخية تم صناعتها وتغذيتها لخدمة ضرورات النضال الثوري ومساعي الانفصال، مع تقاطعاتها وتفاعلاتها الاقليمية والدولية إبان الحرب الباردة، لتتحول فيما بعد إلى عقيدة سياسية لدولة ارتريا الوليدة.

فالثورة الإرترية هي رد فعل طبيعي على الخطوات الاستبدادية التي تبنتها الأنظمة المستبدة والقمعية في إثيوبيا التي فشلت في إدارة تنوعها اللامتناهي، وهو استبداد وقمع لم يكن ضد الإرتريين وحدهم بل ضد جميع شعوب إثيوبيا في ذلك الزمان، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.

وفي ثورتهم ضد الظلم والتهميش لم ثورة الإرتريين بدعا في ذلك، فقد ثارت جميع شعوب إثيوبيا بحثا عن العدالة وتقرير المصير والتوزيع العادل للسلطة والثروة.

ففي فترة النضال الثوري ظل الخطاب الثوري الإرتري  – وكغيره من الخطاب الثوري القائم على هدم المشروع السياسي المعادي وتشويه صورته – يغذي المجتمع الإرتري بسرديات شيطنة إثيوبيا وحكامها والمجموعة العرقية التي يعتقد أنها مثلت قاعدة شعبية لتلك الأنظمة.

ما ميز ثورة الإرتريين عن غيرها من شعوب إثيوبيا أنها تمكنت من تقرير المصير و الانفصال، ولكن وللأسف، سلم الإرتريون مصيرهم وقدرهم إلى مجموعة متسلطة ومستبدة وعنصرية، واصبح الإرتريون يصدق فيهم المثل العربي ” يا زيد كأنك ما غزيت”، بل والأدهى والأمر أن المجموعة حولت الدولة والشعب الإرتري خلال ثلاث عقود مضت، إلى بندقية للإيجار لكل من يبحث عن حرب بالوكالة او صراع نفوذ في القرن الأفريقي.

فدولة ارتريا وعلى ايدي وتحقيق دولتها ولكن للأسف تحولت من ثورة المظلومية وتقرير المصير إلى اداة لحرب بالوكالة على وجود اثيوبيا ككيان سياسي واجتماعي.

فلم تتمكن النخب التي قادت ارتريا الدولة بعد الانفصال من مغادرة متطلبات مرحلة النضال الثوري المسلح التي تتسم بصناعة العداوة وتغذيه الجماهير  بخطاب الكراهية وشيطنة الكيان المعادي وعسكرة الشعوب، والانتقال إلى مرحلة الدولة والحكم التي تستوجب العقلانية والبحث عن القواسم والمصالح والمساحات المشتركة.

ما هي عقيدة إسياس السياسية

ما حصل في اتريا الدولة هو انتقال متلازمة الثورة و هدم الدولة الإثيوبية وتفكيكها من أداة لدفع الظلم وتحقيق الانفصال إلى شرط لبقاء الكيان الجديد.

الجذور الأساسية لأزمة علاقة اثيوبيا وارتريا هي في العقيدة السياسية للشريحة التي اختطفت الكيان الجديد من بين يدي الشعب الإرتري، وهي العقيدة التي أطلق عليها وزير الخارجية الإثيوبي في كلمته ” عقيدة إسياس ” التي ظل يمارسها رئيس إرتريا الوحيد والأوحد منذ انفصالها قبل لثلاثة عقود مضت،  وهي كما وصفها وزير الخارجية عقيدة غير مكتوبة لكن شعوب المنطقة عانت من تطبيقها عمليا وممارستها ميدانيا وبثها فكريا واعلاميا .

وأساس تلك العقيدة هو أن بقاء ارتريا كدولة مستقلة مرهون بإضعاف اثيوبيا أو تفتيتها إلى كانتونات أو إبقائها مشغولة بإطفاء حرائقها الداخلية.

وفي سبيل تحقيق هذه العقيد يذهب أصحابها إلى أبعد مما يتخيله المتابعون، إنهم مستعدون للتعاون حتى مع الشيطان، فضلا عن دول تبحث عن نفوذ أو مجموعات ارهابية تسعى لقلب الطاولة على الجميع، او مجموعات سياسية معارضة تسعى للوصول للسلطة بأي ثمن، مما حول اتريا وشعبها وشبابها إلى بندقية إيجار بأبخس الأثمان.

كيف أفشلت عقيدة إسياس اتفاقية السلام والتعاون 

 ففي الأيام الأولى من التغيير السياسي في ٢٠١٨ في إثيوبيا اتخذت القيادة السياسية الجديدة في إثيوبيا خيارا واضحا للسلام والتعاون مع ارتريا، فمدت غصن الزيتون إلى نظام اسمرا ودعته لإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم التي امتدت لعقدين واستجابت لكل مطالبه المعلنة والخفية مقابل تحقيق السلام، وهو ما وجد صدى كبير عالميا وإقليما فكانت جائزة نوبل للسلام من نصيب رئيس الوزراء آبي أحمد تقديرا لمبادرته لعقد السلام مع من لا يستحقه من معتنقي “عقيدة إسياس”

لكن وكما هو المعتاد لجأ نظام اسمرا إلى المناورة فقبل السلام على الورق ولجأ عمليا إلى وضع العصى في الدواليب ورفض التطبيع الكامل للعلاقات، وأعاد إغلاق الحدود على شعبه الذي تنفس الصعداء ولو لحين بالتواصل مع عمقه في اثيوبيا، ثم انتقل إلى الضغط على حكومة آبي أحمد لجرها إلى صراع صفري مع جبهة تيغراي، ليشبع شهوته الانتقامية و تنفيذا لعقيدته القائمة على ابقاء شعلة الصراع متقدة بين شعوب اثيوبيا. 

وهو ما تحقق له ولو جزئيا باندلاع حرب تيغراي التي أطلق شرارتها الأولى وتورطه في دماء الشعب حتى النخاع. وساعده في ذلك الحرس القديم وتيار الصقور في جبهة تحرير شعب تيغراي، ولا عجب أنهم اليوم في ضيافة أسمرا استعداد لجولة اخرى من الصراع.

وعلى العموم ومع تمكن إثيوبيا من إطفاء نار الفتنة بتوقيع اتفاقية بريتوريا في إقليم تيغراي بدء أصحاب ” عقيدة إسياس ” بتجميع كل الناقمين من تحقق السلام وتضرر مصالحهم بوقف الحرب، فبدأت أسمرا ومنذ اللحظات الأولى من اتفاق بريتوريا، الترحيب لكل من لديه نقمة سياسية على إثيوبيا من جبهة تيغراي نفسها ومجموعات الفانو اليمينية المتطرفة وبقايا الجماعات القومية من الأورومو والصومال.

وفي لحظات تتجلى فيها دورة التاريخ لجأت الجبهة الشعبية الحاكمة في اسمرا إلى تكتيكها التاريخي باستدعاء مصر التي تشاركه نفس ” عقيدة إسياس ” إلى المنطقة، وهي لعبة أجادها الطرفين منذ خمسينات القرن الماضي.

واليوم يعمل الطرفين يدا بيد وذراع بدراء على تهديد الامن والاستقرار ليس في إثيوبيا فحسب بل في كل القرن وكأن التاريخ يعيد نفسه حيث كانت مصر الناصرية هي التي اختطفت الثورة الإرترية وحولتها من مسار التظلم والحقوق الى مسار حروب الوكالات فتحولت اسمرا فتحول الشعب إلى بندقية للإيجار في أنحاء القرن الإفريقي.

Tagged
Exit mobile version