نيلوتيك بوست

كيف كسرت زيارة وزير الخارجية السعوي سردية التنافس الصفري في العلاقات الإقليمية

alt=

ترجمة من مقال الخبير الاثيوبي أيانا فييسا

جات زيارة الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان آل سعود أمس إلى إثيوبيا، والمباحثات رفيعة المستوى التي أجراها مع القيادة الإثيوبية في لحظة مفصلية وتدل على علاقة استراتيجية تتطور باستمرار بين البلدين المحوريين في معادلة القرن الإفريقي والشرق الأوسط. 

وبعيدا عن كونها مؤشرا على تحول في التحالفات أو مناورات إقليمية ذات محصلة صفرية، فإن هذا الزيارة تعكس نضج العلاقات بين أديس أبابا والرياض، والقائمة على الاحترام المتبادل والمصالح الاقتصادية المشتركة والرؤية المتطابقة حول الاستقرار الإقليمي.

في الأشهر الأخيرة، حاول بعض المحللين تصوير الديناميكيات الدبلوماسية في القرن الأفريقي و البحر الأحمر على أنها صراع ثنائي، موحين بأن التقارب بين بعض الأطراف يستلزم بالضرورة الابتعاد عن أطراف أخرى. 

هذه التفسيرات تبسط بشكل مفرط واقعًا إقليميًا أكثر تعقيدًا وترابطًا. 

وتُظهر زيارة وزير الخارجية السعودي أن السياسة الخارجية الإثيوبية لا تقوم على تحالفات إقصائية، بل على دبلوماسية بناءة متعددة الأوجه.

علاقات تاريخية متجذرة ومصالح اقتصادية متنوعة

تربط المملكة العربية السعودية وإثيوبيا روابط تاريخية وثقافية واقتصادية عميقة. ولطالما شكّل البحر الأحمر جسراً لا حاجزاً بين شعوب شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي.

واليوم، تتعزز هذه العلاقة التاريخية بتوسع التجارة والاستثمار وحرية تنقل العمالة والتعاون الأمني.

وباعتبارها واحدة من أكبر الاقتصادات الإفريقية وفاعلاً سياسياً رئيسياً في القرن الأفريقي، تحتل إثيوبيا مكانة محورية في أمن البحر الأحمر، والتعاون في مجال الأمن الغذائي، و مكافحة الإرهاب، والتكامل الإقليمي الأوسع، وهي مجالات تحظى أيضاً بأولوية قصوى لدى الرياض.

وبحسب التقارير تناولت المناقشات خلال الزيارة الشراكات الاقتصادية، والسلام والأمن الإقليميين، وتعزيز التنسيق في المحافل متعددة الأطراف. 

ولا تدل هذه المواضيع على دبلوماسية مبنية على الانتهازية بقدر ما تعكس تقاربا استراتيجيا مبني على معطيات الراهن الدولي والإقليمي. 

فموقع إثيوبيا الجغرافي، وثقلها الديموغرافي، وإمكاناتها الاقتصادية المتنامية، تجعلها شريكا لا غنى عنه، وليس فقط للمملكة العربية السعودية، بل لجميع الأطراف المعنية باستقرار القرن الإفريقي و البحر الأحمر.

لا لسياسة المحاور والثنائيّة الصفرية

وتجدر الاشارة  هنا إلى  أن إثيوبيا انتهجت باستمرار سياسة خارجية تقوم على مبدأ المساواة في السيادة والمشاركة المتوازنة مع الشركاء الدوليين حسب المصالح المشتركة. 

ويمتد نطاق علاقاتها الدبلوماسية ليشمل دول الخليج، وشرق إفريقيا، ووجميع الاتحاد الأفريقي، وكل والقوى والمنظمات الدولية على حد سواء. 

ويرفض نهج الدبلوماسية الإثيوبية سياسة المحاور و الثنائيات والتنافس الصفري المبنية على مبدء من ليس معي فهو ضدي. 

ففي عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، لا يمكن أن تُجبر الدول على الانحياز لأي طرف دون آخر، بل يجب دعمها على بناء جسور التواصل مع الجميع.

إن السردية التي تصور الدبلوماسية الإقليمية على أنها منافسة صفرية بين معسكرات وتحالفات محددة تتجاهل مبدء إثيوبيا الراسخ في عدم الانحياز، بل العمل والتعاون العملي للمصلحة المشتركة. 

وعلى هذا الأساس فانخراط أديس أبابا مع الرياض يُكمّل ولا يناقض، علاقاتها مع الفاعلين الإقليميين والدوليين الآخرين. 

وفي الواقع، يعتمد استقرار وازدهار البحر الأحمر على التعاون الشامل بين جميع الدول المطلة عليه والقريبة منه والمعتمدة عليه.

زيارة في لحظة مفصلية

لذا، تأتي زيارة وزير الخارجية السعودي في لحظة مفصلية بكل المقاييس، وهي بمثابة إعلان اقليمي في جاء في وقته المناسب: إثيوبيا ليست ساحة للتنافس، بل شريك للتعاون في قلب المعادلة الإقليمية والدولية.

فاستقرارها يسهم بشكل مباشر في الاستقرار الإقليمي؛ ونموها الاقتصادي يعزز فرص الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف؛ وموقفها الدبلوماسي يشجع على الحوار بدل التكتل في محاور وتحالفات.

وبينما يواجه القرن الأفريقي والخليج تيارات جيوسياسية معقدة، تُبرهن شراكات كتلك التي تجمع إثيوبيا والمملكة العربية السعودية على أن الانخراط البناء هي السبيل  الوحيد لتحقيق تقدم إقليمي مستدام، وأن التفكير الثنائي والقطبي ومحاور التنافسية الصفرية هي مسالك مدمرة للجميع.

Exit mobile version