نيلوتيك بوست

مستقبل التكامل الإقليمي في القرن الأفريقي

alt=

قراءة استراتيجية في حديث مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشرق أفريقيا

أثارت الكلمة التي ألقاها مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق أفريقيا، غيتاشو ردا، خلال مؤتمر الأمن القومي الذي نظمته كلية الدفاع الوطني الإثيوبية، اهتماما وردود فعل واسعة داخل إثيوبيا وخارجها لما تضمنته من قراءة عميقة وتقييم صريح – كما هي شخصية السيد غيتاشو الجريئة والصريحة – لطبيعة العلاقات الإثيوبية الإريترية وتداعياتها على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما تكمن أهمية حديث الوزير غيتاشو عن هذا الموضوع مع كونه تحدث في موضع اختصاصه السياسي والإداري، واطلاعه على تفاصيل العلاقات ودهاليز الملفات منذ فترة النضال الذي كان مشاركا فيها، ثم فترة حكم الذي كان فاعلا فيها، وأثناء فترة الحرب بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تغراي التي كان فيها وزير إعلام الجبهة ومتحدثا بلسانها وموقعا عنها في اتفاقية بريتوريا للسلام ليكون رئيس الإدارة المؤقتة للإقليم قبل أن تتمرد عليه الجبهة ويترك الحكم في الإقليم لينتقل مشاركا في الحكم المركزي في أديس أبابا.

الانتقال من الخلاف الثنائي إلى السؤال الإقليمي

ورغم تعامل بعض القراءات مع الكلمة باعتبارها انتقادا مباشرالإريتريا، فإن المناقشة والتدقيق في مضمونها وسياقها السياسي يشير إلى أنها كانت أعمق من مجرد توصيف للخلافات الثنائية، إذ قدمت رؤية تتعلق بمستقبل القرن الأفريقي نفسه و تتجاوزه ، وبالعوامل التي تعيق بناء نظام إقليمي قائم على التعاون والتنمية والاعتماد المتبادل.

لم يركز حديث غيتاشو ردا على الأحداث المرحلية أو الخلافات السياسية الحالية ، بل سعى إلى وضع العلاقة الإثيوبية الإريترية ضمن سياق تاريخي واستراتيجي أوسع. فجوهر حديثه الجريئ تمثل في إشارته إلى أن استقرار إثيوبيا وقوتها ووحدتها الوطنية وما تحققه من تنمية لم تكن دائما محل ترحيب من بعض الأطراف الإقليمية، وأن جزءا من التوترات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية ارتبط بمواقف متباينة تجاه دور إثيوبيا ومكانتها الإقليمية.

وبهذا المعنى فإن كلمته لم تكن موجهة إلى إريتريا وحدها بل طرحت سؤالا أكبر يتعلق بكيفية بناء نظام إقليمي مستقر في القرن الأفريقي. فهل يتحقق الاستقرار من خلال إضعاف القوى الرئيسية في المنطقة وإبقائها منشغلة بصراعاتها الداخلية؟ أم من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة وتحويل الاعتماد المتبادل إلى ركيزة للأمن الجماعي؟ لقد كان هذا السؤال حاضرابوضوح في خلفية الخطاب الذي قدمه غيتاشو ردا واستوعبه.

الرؤية الإثيوبية: الأمن عبر التنمية والتكامل

لفهم المقصود من كلمة غيتاشو بصورة دقيقة، ينبغي قراءتها في ضوء الخطاب الأوسع للسياسة الخارجية الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة، وتمت صياغته في عقيدة الخارجية الإثيوبية حول العلاقة مع دول الجوار. ومعلوم أن إثيوبيا تقدم نفسها باستمرار كداع وداعم للتكامل الإقليمي من خلال مشاريع الربط الكهربائي، وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتشجيع التجارة البينية، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع دول الجوار.

وفي هذا السياق اكتسبت كلمة وزير الخارجية الإثيوبي جدعون تيموثيوس أمام شاثام هاوس Chatham Huose أهمية خاصة عندما أكد أن استقرار القرن الأفريقي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعاون الإقليمي، وأن التنمية المشتركة تمثل أساس الأمن المستدام.ومن هذه الزاوية تبدو كلمة غيتاشو ردا مكملة لهذا التوجه وليست منفصلة عنه، وبالتالي لا يعتبر موقفا ورأيا شخصيا، وإنما هي سياسة عامة للدولة الإثيوبية. فإذا كان وزير الخارجية قد شرح الرؤية الإثيوبية في محفل عالمي رؤية بلده لمستقبل المنطقة، فإن غيتاشو ردا سلط الضوء على العقبات التي تعترض تحقيق هذه الرؤية.

إريتريا في المعادلة الإقليمية

لم يكن الهدف الأساسي من كلمة الوزير غيتاشو مهاجمة إريتريا بقدر ما كان محاولة لشرح طبيعة التحديات التي تواجه مشروع التكامل الإقليمي من وجهة النظر الإثيوبية. فإثيوبيا تنطلق من قناعة مفادها أن ازدهار دول المنطقة مترابط، وأن تنمية دول المنطقة منفردة لا يمكن أن تكون مستدامة إذا بقيت العلاقات الإقليمية محكومة بمنطق الصراع الصفري أو الحسابات الأمنية الضيقة، وهو أمر يجب أن تسلط عليه الأضواء بغية خلق رأي عام إقليمي بمناقشته بصوت مرتفع.

ومن هنا جاءت إشارة الوزير إلى أن أي سياسات تقوم على إضعاف إثيوبيا كدولة، أو الحد من دورها الإقليمي لن تؤدي إلى تحقيق استقرار دائم، لأن استقرار المنطقة يرتبط بصورة مباشرة باستقرار أكبر دولة فيها من حيث السكان وأحد أكبر اقتصاداتها من حيث الحجم والإمكانات، وعليها أن تعبر عن هذا كهم وموقف وطني يتعدى أثره إقليميا وبشكل إيجابي وفاعل. وبالتالي فإن الرسالة الأساسية للكلمة كانت أن القرن الأفريقي يحتاج إلى شراكات إقليمية أكثر مما يحتاج إلى خصومات تاريخية.

البحر الأحمر والتكامل الاقتصادي

لا يمكن فصل هذا النقاش عن التحولات الجارية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فإثيوبيا تنظر إلى قضايا الربط الإقليمي والوصول إلى الموانئ والتكامل الاقتصادي باعتبارها قضايا تنموية واستراتيجية وطنية وإقليمية في آن واحد. ومن هذا المنطلق ترى أديس أبابا أن التعاون الاقتصادي الإقليمي ليس خيارا سياسيا مؤقتا، بل ضرورة تفرضها الجغرافيا والديموغرافيا ومصالح التنمية المشتركة بين دول الإقليم. وهنا يلتقي خطاب الوزير غيتاشو مع خطاب وزير الخارجية عند نقطة جوهرية: وهي أن مستقبل المنطقة ينبغي أن يبنى على المصالح المشتركة لا على إرث الصراعاتالمفتعل ولمصلحة أطراف خارجية.

وفي الختام …

تكشف كلمة الوزير غيتاشو ردا عن نقاش أعمق من مجرد العلاقات الإثيوبية الإريترية. فالرسالة الأساسية التي حملها الخطاب خلاصتها أن إثيوبيا ترى مستقبل القرن الأفريقي من خلال منظار التكامل الاقتصادي الشامل، والتنمية المشتركة والتعاون الإقليمي، وأن العقبة الرئيسية أمام هذا المسار هي استمرار بعض أنماط التفكير التي تنظر إلى صعود دولة أو نجاحها باعتباره تهديداللآخرين، وتعتبر العلاقات السلمية بين دول المنطقة خصما من مصلحة ورصيد طرف ما.

وفي هذا السياق جاءت مواقف وزير الخارجية الإثيوبي لتؤكد أن السياسة الخارجية الإثيوبية هدفها بناء بيئة إقليمية قائمة على الترابط الاقتصادي والاعتماد المتبادل، وأنها الضمانة الأكثر استدامة للأمن والاستقرار. ومن ثم فإن أهمية كلمة غيتاشو ردا لا تكمن فقط في ما قاله عن إريتريا، بل في ما كشفته من رؤية إثيوبية أوسع لمستقبل القرن الأفريقي، وأنها ترى التنمية والتكامل الإقليمي هما الطريق الأكثر واقعية لبناء السلام والازدهار في المنطقة.

Exit mobile version