من يهدد سيادة إرتريا 

بخطاب واحد إلى الأمم المتحدة يمكن لإثيوبيا، لو أرادت، أن تضع استقلال إرتريا على المحك

نورالدين عبدا19 سبتمبر 2025Last Update :
من يهدد سيادة إرتريا 

مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإرتريا على خلفية تورط نظام أسمرا في تأجيج الصراعات المحلية في إثيوبيا، وردا على المذكرات والتنويهات الدبلوماسية لإثيوبيا، والتي توضح فيها للمجتمع الدولي تدخل إرترايا في شؤنها الداخلية، قام النظام الإرتري بتحريك عناصره، خاصة  تلك التي في المهجر لتحريف مطلب إثيوبيا المشروع بمنفذ بحري مؤمن على البحر الأحمر، بترويج إدعاءات زائفة بأن إثيوبيا تستهدف وتهدد استقلال إرتريا.

ويهدف نظام الجبهة الشعبية من وراء ذالك التحريف إلى تحشيد الشعب الإرتري، الذي كتم أنفاسه لعقود، بدعوى السيادة الوطنية، وترويج فزاعة التهديد الإثيوبي. فماذا قدمت سيادة النظام الإرتري لشعبها إلا التهجير والسجون.

لذا لزم التوضيح للعناصر والمجموعات الإرترية المخدوعة بفزاعة استهداف اثيوبيا بأن المهدد الأساسي لأمن وسلامة الشعب الارتري هي تلك الطغمة التي كتمت على أنفاسه، بينما المزاج السياسي والشعبي في إثيوبيا يعتبر أمر استقلال من المسلمات، ولا بوجد في المخيلة الجمعية لإثيوبيا تفكير في الدخول في صراع لإعادة دمج اراتريا.

فلو أرادات إثيوبيا التراجع عن استقلال إرتريا، فيمكنها ذلك بخاطب واحد إلى الأمم المتحدة، مما يجعل وجود إرتريا كدولة على المحك. فإن المادة ٤٦ من اتفاقية فيينا للمعاهدات الدولية تمنح إثيوبيا، إن أرادت، حق إلغاء اعترافها بإرتريا لأنه تم بطريقة مخالفة للقانون المحلي الإثيوبي.

المادة ٤٦ من اتفاقية فيينا

وتنص المادة ٤٦ من اتفاقية فيينا للمعاهدات الدولية على أنه لا يحق لدولة أن تحتج بأن رضاها بالالتزام بالمعاهدة قد تم بالمخالفة لقانونها الداخلي الخاص بعقد المعاهدات كسبب لإبطال المعاهدة، ” إلا إذا كانت هذه المخالفة واضحة وتتعلق بقاعدة أساسية من قواعد قانونها الداخلي “.

فالمادة ٤٦ هي مادة مانعة، أي تمنع الدول من التراجع عن المعاهدات والاتفاقيات إلا في حالات استثنائية. وحجة الحالة الاستثنائية قوية في حال وجود أدلة قوية. وفي حالة انفصال إرتريا فلدى إثيوبيا حجج دامغة لتبرير تراجعها لو أرادت.

فاتفاق استقلال ارتريا ، في واقع الأمر، تم بين طرفين لا يتمتعان بصفة قانونية حسب القانون المحلي الإثيوبي، فالجبهتان – الحبهة الشعبية لتحرير إرتريا التي سيطرت على الأوضاع في إرتريا و جبهة تحرير شعب تيغراي التي سيطرت على إثيوبيا في ذاك الوقت- لا تتمتعا بصفة قانونية ودستورية تؤهلهما للتوقيع أو إجراء استفتاءات مصيرية، بل كانتا مجرد حكومة ” الأمر  الواقع” وارتكبتا  مخالفة صريحة وواضحة للقانون الإثيوبي والدولي، بل وارتكبتا خيانة عظمى ضد الأمن والوجود الاستيراتجي لشعوب العمق الإثيوبي.

وحسب الدستور  والقانون السياسي القائم في إثيوبيا عشية سيطرة الجبهتين الثوريتين على أسمرا وأديس أبابا كانت إرتريا جزءا من إثيوبيا، وحتى لو اعتبرنا قرار الإمبراطور هيلاسيلاسي إلغاء الحكم الفيدرالي باطلا، فإن القرار الأممي بضم إرتريا في اتحاد فيدرالي مع إثيوبيا ما زال قائما قانونيا.

فجبهتي تيغراي وإرتريا كانتا فصيلين متمردين، تمكنا من السيطرة على الأوضاع وشكلا حكومة أمر واقع، وليست حكومة دستورية،  وحكومة الأمر الواقع قد تمثل الارادة السياسية القائم في لحظة ما، و لكنها بالتأكيد لا تمثلان الارادة القانونية للدولة والشعب.

كيف تحولت ترتيبات استقلال ارتريا إلى مؤامرة على شعوب إثيوبيا

وما يجعل الأمر مؤامرة إقليمية ودولية مكتملة الأركان بأدوات محلية هو أن الجبهتين مرتبطتان باتفاق سياسي منذ فترة الثورة لخنق شعوب ومناطق العمق الإ ثيوبي عبر توسيع خارطة إرتريا المستقلة لتشمل ميناء عصب، أحد أهم المنافذ التاريخية لشعوب العمق الإثيوبي نحو البحر الأحمر. فتاريخيا شعوب العمق الإثيوبي وخاصة في الجنوب والشرق والغرب كانت تصل إلى البحر الأحمر عبر موانئ تاجورا وعصب وزيلع.

وهذه المؤامرة الواضحة تعزز من مفهوم المادة ٤٦ وتجعل كل تصرفات وترتيبات انفصال إرتريا مخالفة ليس لقاعدة واحدة فحسب من القانون المحلي الإثيوبي بل لمجموعة كبيرة من قانون الدولة الاثيوبية ودستورها.

 فهل توجد مخالفة لقانون ما، أكثر من أن تقوم مجموعة غير دستورية بمنح مالا تملك لمن لا يستحق. نعم جبهة تغراي التي منحت ما لا تملكه من أراض شعوب إثيوبيا إلى الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا التي لا تستحق.

ومن نافلة القول أن نذكر هنا الاتفاق التآمر بين الجبهتين على منح ترتيب إنفصال إرتريا بطريقة تلف حبل المشنقة على شعوب العمق الإثيوبي برفض كل الإستشارات الدولية بالابقاء على ميناء عصب، وكان هدفهم كما هو موثق، التحول إلى دولة الأغازيان الكبرى التي تجمع إرتريا وتيغراي فيما لو أخفقوا في التحكم على الوضع في إثيوبيا.

وهذا ما يجعلنا نقول ونؤكد أن انفصال ارتريا واستقلالها في جانبه السياسي كان نتيجة مباشرة من نتائج الحرب الباردة، وتكالب نوائب الدهر على إثيوبيا، من عدو إقليمي يسعى لتفتيتها بكل ما أوتي من قوة، و طبعا مع احترامنا الشديد، في كل الأحوال، لتضحيات الشعوب في سبيل حريتها وتقرير مصيرها، ولكن على تلك الشعوب استعادة زمام المبادرة وإعادة حريتها المختطفة إلى المسار الصحيح. 

إذن … لماذا لا تتراجع إثيوبيا عن الاعتراف باستقلال ارتريا؟

وعليه، وبما أن القانون الدولي يدعم اثيوبيا تماما بالتراجع عن الاعتراف بانفصال ارتريا  فيمكن القول بأن خطاب واحد من الخارجية الاثيوبية يمكن أن يجعل استقلال ارتريا على المحك.

ولكن، وهذا هو الأهم:

لماذا لا تقوم إثيوبيا بالتراجع عن استقلال إرتريا وتحشد العالم ضدها، بتخيير دول العالم بين الاعتراف باريتريا التي لا تعدو أكثر من كونها شريط على الساحل وبين بناء علاقات استراتيجية مع إثيوبيا والاستفادة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لشعب يزيد عن ١٢٠ مليون نسمة؟

الإجابة واضحة: لا توجد رغبة سياسية ولا شعبية معتبرة في إثيوبيا  لتهديد استقلال ارتريا، ولا رغبة في دمجها أو إعادتها إلى بيت الطاعة، فبالنسبة للإثيوبيين ارتريا بشعبها وأرضها أمة قد خلت سياسيا، لها ما كسبت وعليها ماكتسبت.

من وجهة نظري ما يهم إثيوبيا حكومة وشعبا فيما يخض العلاقة مع ارتريا هو:

1 – أن تكون في ارتريا حكومة مستقلة عن الرهانات الاقليمية التي تهدد استقرار اثيوبيا وسلامة شعبها، ولا تتولى دور الحرب بالوكالة عن لاعبين إقليمين، وتحديدا مصر التي عملت على خنق شعوب إثيوبيا. 

أسمرا مابعد إسياس يجب ان تفكر ألف مرة قبل أن تقرر لعب دور إقليمي ضد إثيوبيا.

 2 – وأي نظام يحكم في إرتريا بعد زوال الطغمة الحاكمة ينبغي عليه التوصل لتفاهم استراتيجي مع إثيوبيا لوصول سيادي ومؤمن إلى البحر الأحمر، وصولا مستداما، لا يرتبط بالمزاج السياسي الاقليمي والمحلي المتقلب، ويضمن الاستفادة من موانئ إرتريا وخاصة ميناء عصب، أحد المنافذ التاريخية لشعوب العمق الإثيوبي نحو البحر الأحمر، وذلك فيما يعود بالمصلحة على الشعبين، فموانئ إرتريا إذا لم تستفيد منها إثيوبيا ستبقى، كما هي الان، مرتعا للجرذان. 

وعليه فإن الشعب الإرتري، نخبا وقواعد، مهجرين ومقيمين ولا جئبن، عليهم التفكير خارج صندوق الجبهة الشعبية، وخارج فزاعة تهديد إثيوبيا لاستقلالهم وتقرير مصيرهم، وأخذ المبادرة والاستعداد لليوم التالي للتغيير الحتمي.

على الشعب الارتري أن يدرك تماما بأن المهدد الأساسي لاستقلال دولته هو تلك الطغمة التي كتمت على أنفاسه في أسمرا، وعليه أن يأخذ قدره بيده ويتخلص ممن جثموا على صدره، ويؤسس لحكومة ودولة متصالحة مع نفسها ومع من حولها، تكرس جهودها ومواردها للتنمية، وتقرر علاقة سلام وتكامل وتعاون مع إثيوبيا وشعوبها.

إن قدر شعوب القرن الإفريقي، بغض النظر عن انتمائاتها الإثنية والدينية والسياسية، التعاون لتحقيق السلام والتنمية والتكامل، بعيدا عن الارتهان لهذا اللاعب الاقليمي أو ذلك.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept