نيلوتيك بوست

يا فضيلة الشيخ: آبي أحمد ليس وليا من أولياء الله الدراويش… إنه رجل دولة 

alt=

مدخل تاريخي

من العوامل التي تأجج الإستقطاب في المجتمعات تسييس الدين وتحويل المنابر الدينية إلى أداة للدعاية السياسية الرخيصة. 

وعبر التاريخ الطويل ( منذ القرن السادس عشر ) شكلت مسألة الدين والدولة عاملا اساسيا في الصراعات بين عموم مكونات القرن الأفريقي و اثيوبيا  على وجه الخصوص.

وعند تأسيس الدولة الاثيوبية الحديثة نهاية القرن التاسع عشر اصطحبت قياداتها مفاهيم القرون الوسطى فأسست امبراطورية ثيوقراطية جامدة، واصبحت الدولة والكنيسة وجهان لعملة واحدة، رغم التنوع الإثني والديني الهائل والمساحة الجغرافية الضخمة التي قامت تكونت عليها الدولة . 

ولأن السنن الكونية تقضي بزوال ” أفكار وتيارات الجمود ”  سقطت فكرة الإمبراطورية الثيوقراطية سقوطا مدويا، ومعها دخلت البلاد في استقطابات حادة متعددة الأبعاد تعيش تبعاتها حتى اليوم.

وللخروج من مأزق الدين والدولة، كان احدى القرارات الأولى للطغمة العسكرية التي قادت الثورة الشيوعية في 1974 اعلان علمانية الدولة وتحييد الكنيسة ومؤسساتها بالعنف والقانون. 

ثم جاء  دستور 1994 ليعتمد مبدء ” علمانية الدولة” كمادة اساسية من مواد تعريف الدولة.

المسلمون وعلمانية الدولة

ويعتبر المسلمون اكبر المكونات المستفيدة من علمانية الدولة في إثيوبيا. فرغم بقاء الموروث الكنسي في مفاصل الدولة واستمرار ازمة الطموح السياسي داخل الاطر الفكرية وأروقة الكنيسة إلا ان مبدء علمانية الدولة خلق واقعا سياسيا وقانونيا جديدا ووفر ارضية كبرى لاستعادة المسلمين والمجموعات المهمشة زمام المبادرة.

لكن وفي سبيل البحث عن الدور والحقوق ازمة تولدت ازمة جديدة في المؤسسة الاسلامية التي كانت من المفترض ان تعمل على تعزيز اتجاه العلمنة بدل البحث عن دور سياسي لمؤسسة دينية لم تكتسب حتى وضعها القانوني.   

فقد انتقلت أفكار الإسلام السياسي بشقيه السلفي والإخواني  و استشرت بين النخب المسلمة خلال فترات ما يسمى بالصحوة الإسلامية وتغلغلت في المحاضن والمؤسسات الإسلامية في اثيوبيا في العقود الماضية كمسلمه وحيدة لنيل الحقوق والوصول للعدالة، ومع الزمن ترسخ لدى النخبة الإسلامية ضرورة اللجوء إلى ادوات  وتكتيكات الاسلام السياسي في معارك الشد والجذب مع الدولة والشرائح المجتمع الآخر.

واليوم ومع سعي الدولة وعموم الشعب الإثيوبي إلى تعزيز مبادئ علمانية الدولة ورسم خطوط واضحة بين الفضاء السياسي والمدني العام والحيز الديني الخاص  عبر مخرجات الحوار الوطني نجد مؤسسة المسلمين التي حققت وضعية المؤسسة الوطنية، تنتقل من مربع المطالبة بتحويل مبدء علمانية الدولة إلى ممارسة سياسية وإدارية في عموم الدولة إلى الاصطفاف السياسي المبتذل مع المجموعات والتيارات السياسية، بل وتوغل قيادات هذه المؤسسة ونشطاءها في خطاب ديني مشبع بالتحشيد السياسي والتعبئة الشعبية.

فمنذ استلام قيادات التيارات الحركية بقيادة شيوخ السلفية السلطة الدينية تحولت المؤسسة الدينية في إثيوبيا إلى شبه تنظيم سياسي ممارسة وخطابا وسلوكا، وقد تطرقنا لذلك في مناسبات عدة وأوضحنا  خطورة ذلك المسلك على المجتمع المسلم اولا ثم الدولة والوطن.

أسئلة مقلقة للبيت الإسلامي في إثيوبيا

وفي هذا الصدد يوجد لدى قطاعات عريضة من شرائح المجتمع المسلم العديد من الاسئلة التي نرغب في توجيهها للمؤسسة الدينية والمشيخة العلمية حول  قضايا تصب في عمق دور المؤسسة الدينية في دولة متعدد تسعى لتحقيق العدالة والمواطنة:

فيا فضيلة الشيخ

١- ما الذي اضطر المجلس الإسلامي للتحول من مؤسسة إسلامية تعنى بالشؤن الدينية والتربويّة إلى منبر سياسي يتخادم  مع الواقع السياسي حتى تحولت منابر المؤسسة  إلى منصات  للدعاية السياسية !؟ 

٢- ماهي  الضرورة الدينية والمسوغ الشرعي لأن  يتولى المجلس دعوة الشباب الانخراط في المليشيات والعمل في الاطر العسكرية والأمنية  … لحماية الدعاة والشيوخ والسياسيين!؟

لما لا تتفرغ القيادات الدينية لبناء المؤسسة التي تمثل عموم المسلمين والوطن، بدل إقحامها في مثل هذه التعبئة الشعبوية في هذا الاتجاه او ذاك، وهي مهمة تقوم بها الأطر الشعبية والسياسية والاجتماعية.

ففي ظل الاستقطاب السياسي والامني في البلاد تختلف الآراء و النظرات حول المليشيات سواء المنتظمة تحت المظلة القانونية للدولة او تلك المتمردة على الدولة. 

فمثلا في الاحداث التي حصلت خلال  الانتخابات  في منطقة عروسي أرسي …  وهي منطقة ذات اقلية مسيحية جرت محاولات لخلق فتنة طائفية على اساس ديني ، وبعض أصابع الاتهام  توحي بالتواطئ بين المليشيات المحلية والمتمردة.

هل فكرتم  ماذا يمكن ان تفهم الأطراف الأخرى المشبعة بسرديات الصراع الديني من دعوة خطباء المجلس من دعو الشباب  في تجمع جماهيري وشعبي إلى الانخراط في المليشيات لحماية المسلمين والدعاة والحكومةً … 

هل هذا الخطاب السياسي هو ا لمناسب لمؤسسة دينية يفترض ان يكون خطابها منضبطا بقواعد السلم الأهلي ويراعي الحساسيات … وليس خطابا شعبويا يدغدغ المشاعر  ويبتذل الكلمة ليظهر قربه من السلطة وولاءه لها. 

٣- يافضيلة الشيخ ما هي الضرورة الدينية والمسوغ الشرعي  في  ان يتحول المجلس الإسلامي إلى اداة للدعاية الانتخابية في المساجد وعبر الظهور الإعلامي في صناديق الاقتراع . 

أليس من المفترض في المجتمعات المتنوعة ان يكون رجل الدين والعالم بعيدا عن المناورات والمقامرات  السياسية التي تفرقة الناس على اساس الرأي او الموقف السياسي!؟ 

٤- والاهم من ذلك كله يا فضيلة الشيخ متى تحول رئيس الوزراء آبي أحمد من رجل دولة يمارس السياسة  ويناور في دهاليزها بأدواتها إلى ولي من أولياء الله الدراويش.  

اليس في تصريحكم هذا تماهي مع الخطاب الديني الشعبوي الذي يقول ” آبي ” هو ” نبي” !؟

هل هذا هو الخطاب الديني الذي يجب تقديمه للنساء والأطفال وطلاب العلم الشرعي وعامة الناس والجماهير الشعبية التي جمعتموها في منطقة بالي المسلمة.

يافضيلة الشيخ  هذه والله خطيئة كبرى ، تحتاج إلى توبة دينية،  واعتذار سياسي.

يا فضيلة الشيخ اين ذهبتم  بمكانة الدين والأخلاق التي يجب ان تبقى مسافة معتبرة بينها وبين الانزلاق في الدعاية السياسية الرخيصة لهذا الطرف او ذاك.

يا فضيلة الشيخ  الأولى بالمؤسسة الدينية وقيادتها ومنتسبيها وخاصة في بلد متعدد ومتنوع ان يكون خطابها وسياساتها وممارساتها في اتجاه تعزيز ذلك الفصل بين الحيز الديني والفضاء والسياسي والحفاظ على خصوصية الدين وحرمته وليس المتاجرة به في سوق المقامرات السياسبة.

خطيئة سياسية في لحظة وطنية حرجة

أما على المستوى السياسي فنعتقد إن اكبر  خطيئة يرتكبها اليوم النظام السياسي في إدارة المشهد الديني هو السماح بتوظيف الخطاب الديني الإسلامي في سبيل مواجهة مؤسسات الدولة الدينية العميقة.

ان ضرورات معالجة نزوة التمرد لدى مؤسسات الدولة الدينية العميقة يجب ان لا يدفع المسلمون ثمنها بدفع تيار ديني شعبوي آخر بتصدر المشهد، لأن ذلك سيكون عبئا على المسلمين وعلى والحكومة نفسها في لحظة ما. 

ان معالجة برود العاطفة السياسية نحو التغيير من قبل محاضن ومؤسسات الدولة الدينية العميقة يجب ان تكون بتعزيز علمانية الدولة والدفع بعجلة العدالة والمساواة في الفضاء السياسي والمدني والإداري إلى الأمام، وليس بفرض تيارات الإسلام الشعبوي الانتهازي على المشهد الإسلامي. 

وللحزب الحاكم والطبقة السياسية نقول: 

المسلمون بحاجة ماسة إلى التنمية وبناء الإنسان والمجتمعات والتفكير العقلاني والمشاركة السياسية والمدنية في اطار الدولة العلمانية وليس إلى التوظيف السياسي للإسلام عبر المنابر والخطب الشعبوية والرنانة التي تستخدم للمناكفات السياسية والتحشيد.    

والمؤسسة الدينية التي حققت وضعيتها القانونية يجب ان تبقى مستقلة ومحايدة، و منضبطة خطابا وممارسة وسلوكا، وما نعيشه من الانفلات على كل المستويات  يجب إعادته ضبطه . 

فمن التوصيات التي خرجت بها الجنة الحوار الوطني هو ابقاء المسافة بين الدين والدولة واضحة ومعلمة بالخطوط الحمراء ليس فقط على مستوى الهيكلة العامة بل حتى على مستوى ايقاف ممارسات التخادم الإعلامي والتوظيف السياسي للدين.

Exit mobile version