تمهيد
طفت على السطح في الآونة الأخيرة تصريحات متبادلة بين إثيوبيا وإريتريا حول ميناء عصب الإريتري [1] Are Ethiopia and Eritrea hurtling towards war? https://tinyurl.com/2vpf4rmb وسط أجواء ملبدة بغيوم من القطيعة والترقب والحذر بين بلدان القرن الأفريقي، تلك الغيوم التي تحمل في طياتها نذر حرب، وإن كانت نذر الحرب قد لاحت في الأفق أصلا منذ أن وضعت حرب تيغراي الأخيرة أوزارها، والتي على إثرها أصبحت العلاقة بين البلدين مقطوعة إثر الخلاف حول إتفاقية بريتوريا التي أنهت الحرب في الإقليم الشمالي في نوفمبر 2022م [2] Explainer: Why are Ethiopia and Eritrea on the brink of a possible war? https://tinyurl.com/5evntex7 .
والحقيقة الواقعة أن هذه الأزمة ما هي إلا امتداد للأزمة الإثيوبية – الصومالية التي هيمنت على المشهد في القرن الأفريقي طوال العام السابق في 2024، [3] Why is Somalia so angry about Ethiopia’s new Red Sea port deal? https://tinyurl.com/2uexysws وإن كانت هذه الأزمة قد طويت دبلوماسيا بين الطرفين، إلا أن تردداتها مازالت ماثلة للعيان، والحقيقة الأخرى والأوضح هو أن كلا الأزمتين ما هما إلا تجليات لمعضلة واحدة تعيشها الدولة الإثيوبية، ألا وهي معضلة المنفذ البحري.
اختيار مفردة ” المعضلة ” لتوصيف أزمة المنفذ البحري، قد تكون مناسبة إذا درسنا الجوانب التاريخية لهذه الأزمة، وإذا استشرفنا المستقبل حول المآلات والنهايات المحتملة، سنجد أن الأزمة في كلا الحيزين الزمانيين ليست إلا أزمة فوق العادة!
تاريخ إثيوبيا البحري
تعد إثيوبيا اليوم الوريث الشرعي لمملكة أكسوم التي قامت في القرن الأول واندثرت في القرن التاسع الميلادي [4] Cosmas Indicopleustes edited by J.W. McCrindle, The Christian topography of Cosmas, An Egyptian monk, P 59-66 ، حيث بدأت المملكة في بلدة في شمال إثيوبيا، ثم ما لبثت أن امتدت إلى الجوار بفضل الحملات العسكرية التي قادها ملوك أكسوم في القرون الأربعة الأولى، لتشمل في جغرافيا اليوم عموم شمال إثيوبيا وأغلب إريتريا وجيبوتي والأجزاء الشمالية والغربية من صوماليلاند [5] Yuri M. Kobishchanov, Axum, P 39, 45 , G.W. Bowersock, The Throne of Adulis, red sea wars on the eve of Islam. P 26 .
بدأت مملكة أكسوم في التدهور والاضمحلال في القرن السابع الميلادي، لسببين رئيسين: أولهما وأقدمهما هو صعود الدولة الساسانية في بلاد فارس، وثانيهما هو ظهور دولة الإسلام في الجزيرة العربية وفتح بلاد الشام ومصر وتحول البحر الأحمر – القلزم آنذاك – إلى بحيرة إسلامية، وهو ما ساهم في قطع علاقات المملكة مع حواضر ودول البحر الأبيض المتوسط تجاريا واقتصاديا، وبالتالي تقوقع مملكة أكسوم وانحسارها من البحر وتقهقرها إلى الداخل [6]Samantha Kelly, A Companion to medieval Ethiopia and Eritrea, P 34 مفسحة المجال لظهور ثلاثة كيانات سياسية، وهي المملكة السليمانية في الهضبة الإثيوبية، السلطنات والممالك الإسلامية في الشرق والجنوب والتي عرفت باسم ممالك الطراز الإسلامي، وإمارة مدري بحري في أقصى الشمال.
اتسمت العلاقة بين الأطراف الثلاثة عموما بالاضطراب، حيث تراوحت العلاقة بين المملكة السليمانية من جهة والسلطنات الإسلامية وإمارة مدري بحري من جهة أخرى، بين الهيمنة التي تجلت في دفع الإتاوات والضرائب للهضبة، وبين محاولة الاستقلال والثورة والتي ترجمت في الحروب المستمرة بين السلطنات الإسلامية والمملكة السليمانية طوال العصر الوسيط، والتي كانت حملة فتوح الحبشة في القرن الخامس عشر الميلادي هي أبرز انعكاس لشكل العلاقة بين تلك الكيانات. [7] J. Spencer Trimingham, Islam In Ethiopia. P96
Travis J. Owens, Beleaguered Muslim fortresses and Ethiopian imperial expansion from 13th to the 16th century.
مع بداية العصر الحديث، كانت هذه الممالك المتصارعة قد بلغت من حالة من الإنهاك والتشظي الداخلي، وهو ما أفسح المجال للقوى الخارجية باحتلال حواضر الإقليم المطلة على البحر الأحمر كمصوع وزيلع في بداية القرن السادس عشر الميلادي، [8] David Lea; Annamarie Rowe (2001). A political chronology of Africa. P 403, Mordechai Abir, Ethiopia:The era of princes. P xxi ثم ورثت مصر من خلال الأسرة العلوية تركة العثمانيين في المنطقة في القرن التاسع عشر الميلادي، وهي ذات الفترة التي بدأت فيها القوى الاستعمارية الأوروبية بالزحف نحو أفريقيا والقرن الأفريقي. [9]https://www.britannica.com/place/Eritrea/Contesting-for-the-coastlands-and-beyond
ولتأمين خروج القوات المصرية من القرن الأفريقي وتحديدا من الساحل الإريتري، وقعت كل من بريطانيا والحبشة ومصر اتفاقية عدوا ” اتفاقية هيويت ” في الثالث من يونيو 1884م بموجبها يكون للحبشة حرية الوصول إلى ميناء مصوع للتجارة ونقل الأسلحة شريطة أن تكون مصوع تحت الحماية البريطانية؛ حيث نجحت بريطانيا في إقناع ملك الحبشة آنذاك يوحناس الرابع بالتخلي عن امتلاك مصوع بحجة أن الحبشة لا تمتلك أسطولا بحريا للدفاع عن مصوع، وأن بريطانيا ستتكفل بذلك.[10] Manuel James Sorenson, A Study of Anglo-Ethiopian relations from 1800-1936. P 70
قبل ذلك تمكنت إيطاليا من الحصول على موطىء قدم في الساحل الإريتري تحديدا في مرفأ عصب، ونجحت بعد اتفاقية عدوا من امتلاك مصوع وفرض الأمر الواقع على الحبشة، وتم ذلك بموافقة ضمنية بريطانية لحاجتها لملء فراغ القوات المصرية ولكي يصبح هذا الإقليم كحائط صد لمنافسيهم الفرنسيين لمنعهم من الوصول إلى منابع النيل انطلاقا من محميتهم في جيبوتي – الصومال الفرنسي آنذاك -، وبذلك تكونت البذرة الأولى لما سمي لاحقا مستعمرة إريتريا الإيطالية.[11] James M. Perry, Arrogant Armies. P 196
إريتريا: حل أممي وإخفاق إثيوبي
في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، نجح الإمبراطور منليك الثاني بعد أن كان أحد أمراء إقليم شوا في وسط إثيوبيا في بدء حملات عسكرية لتوحيد الممالك والسلطنات المتشظية في عموم إثيوبيا وسط حالة من التنافس الحاد بينه وبين أقرانه من الأمراء، ونجح في ذلك إلى حد بعيد ولكن بتكلفة عالية، وهي تنازله عن إريتريا لصالح الإيطاليين في مقابل أن يعترف به الإيطاليين كملك لإثيوبيا كما حدث في اتفاقية وجالي التي عقدت بين الطرفين في 1889م، [12]Harold G. ,Marcus, The Life and times of Menelik II, Ethiopia 1844-1913. P 113, Treaty of Wuchale … Continue reading وفي العام التالي أعلنت إيطاليا رسميا أن إريتريا مستعمرة إيطالية وذلك بعد عقدين من تواجدها الميداني في إريتريا تحت الغطاء التجاري الذي بدأ في 1869م وتحديدا في عصب، كما أسلفنا.[13]https://us.embassyeritrea.org/our-history/
بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة إيطاليا ودول المحور على يد الحلفاء، قرر الحلفاء تحديد مصير المستعمرات الإيطالية في القارة الأفريقية؛ الصومال وإريتريا وليبيا في مؤتمر باريس عام 1947م والذي بموجبه تخلت المملكة الإيطالية عن كافة مستعمراتها في أفريقيا. [14] https://tinyurl.com/msxznrvk أرسل دول الحلفاء الأربعة؛ الولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي، المملكة المتحدة، وفرنسا لجنة لتقصي الحقائق في إريتريا في 1947م لتحديد مصيرها بناء على مخرجات اللجنة، ولم يتفق الحلفاء حول قرار موحد،[15] G. K. N. Trevaskis, Eritrea: A colony in Transition: 1941-52. P 83 ولذلك تم رفع ملف مصير إريتريا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي بدورها أرسلت بعثة خماسية أخرى لتقصي الحقائق في إريتريا بموجب قرار (289 – IV) في نوفمبر 1949م على أن يأخذوا في اعتبارهم:
- آمال وتطلعات سكان إريتريا بمختلف طوائفهم وجماعاتهم الدينية والسياسية، وقدرة الشعب على حكم ذاته.
- المصالح المتعلقة بالأمن والسلام في شرق أفريقيا
- حقوق ودعاوي إثيوبيا المستندة على الجغرافيا والتاريخ والأسباب الإثنية والاقتصادية، بما فيها على وجه الخصوص حاجة إثيوبيا الشرعية لمنفذ بحري.[16] https://digitallibrary.un.org/record/666748?ln=en&v=pdf
- بناء على مخرجات اللجنة، توصلت الأمم المتحدة إلى القرار (390 – A) الذي قضى بتوحيد إريتريا وإثيوبيا فيدراليا تحت التاج الإثيوبي، على أن تتمتع إريتريا بحكم ذاتي في إدارة شؤونها باستثناء الشؤون الخارجية والدفاع.[17] https://docs.un.org/en/A/RES/390(V)
لاحقا، أخفق التاج الإثيوبي في الحفاظ على خصوصية الإقليم الإريتري حيث تقاسم مع بقية الأقاليم الإثيوبية سلطوية الإمبراطور هيلاسيلاسي الأول الذي ألغى النظام الفيدرالي الخاص بإريتريا وأدمجها في وحدة شاملة،[18] https://uca.edu/politicalscience/home/research-projects/dadm-project/sub-saharan-africa-region/ethiopiaeritrea-1950-1993/
وهو ما أدى لاحقا إلى اندلاع الحرب الإريترية في سبتمبر 1961م التي انتهت بسقوط نظام الديرغ في مايو 1991م، [19] https://www.ebsco.com/research-starters/history/eritrea-secedes-ethiopia بدأ بعدها ماراثون التفاوض حول وضع إريتريا والعلاقة مع إثيوبيا والذي كان ماراثونا قصيرا على غير عادة هكذا نوع من التفاوض، حيث لم تعرض مسألة إريتريا وحقوق إثيوبيا في المنفذ البحري، بل اقتصرت في مسألة تقرير المصير وسبل تنفيذها،[20] The United Nations and the Independence of Eritrea, with an introduction by Boutros Boutros-Ghali. P 17 ويعود ذلك لسببين: نظرة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في المسألة القومية وحق تقرير المصير التي استمدها حاكم أديس أبابا الجديد ملس زيناوي من المسألة القومية للقائد السوفييتي فلاديمير لينين،[21] Sarah Vaughan, Ethnicity and Power in Ethiopia. P 92 والواقع الميداني للفصائل الإثيوبية المسلحة التي حاربت نظام الديرغ والذي كانت فيه الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا EPLF قوية عسكريا وميدانيا ولها الفضل في البداية الفعلية لسقوط النظام وذلك في معركة أفابيت.[22] Vincenzo Meleca, Afabet, March 1988: The Decisive Battle for Eritrean Indipendence. P 8
آبي أحمد: آبي أحمد: المسألة الوجودية وردود الفعل في القرن الأفريقي
بعيد اعتلاء آبي أحمد لسدة الحكم في إثيوبيا، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي عن خطته لإعادة بناء القوات البحرية الإثيوبية ضمن رؤيته الواسعة لإصلاح المؤسسة العسكرية الإثيوبية مع الأخذ في الاعتبار التغيرات العالمية السريعة والوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في إثيوبيا،[23] http://www.xinhuanet.com/english/2018-11/08/c_137592578.htm وعلى ضوء هذا التصريح بدأت الحكومة الإثيوبية في بناء القوة البحرية ابتداء من مقر البحرية الرئيس في أديس أبابا والذي اكتمل بناءه في سبتمبر الحالي في 2025م، [24] https://www.janes.com/osint-insights/defence-news/defence/ethiopia-inaugurates-new-naval-bases وصولا إلى عقد اتفاقات تعاون مع كل من فرنسا وروسيا في تطوير البحرية وتدريب الكفاءات الإثيوبية. [25]https://www.reuters.com/article/world/ethiopia-france-sign-military-navy-deal-turn-new-page-in-ties-idUSKBN1QT2VZ/ , … Continue reading
أرفقت هذه المساعي الحثيثة لإثيوبيا لاستعادة القوات البحرية بدعوة متكررة من آبي أحمد بضرورة حصول إثيوبيا على منفذ بحري، والذي ترجم في توقيع مذكرة التفاهم مع صوماليلاند – أعلنت استقلالها عن الصومال في 1991م ولم تنل الاعتراف الدولي – في غرة يناير 2024م والذي بموجبه تستأجر إثيوبيا على حوالي عشرين كيلومترا من ساحل صوماليلاند في مقابل الاعتراف بها رسميا كدولة،[26] https://www.iiss.org/publications/strategic-comments/2024/03/the-ethiopia-somaliland-deal/ وهو ما أثار حفيظة جمهورية الفيدرالية الصومالية التي اعتبرت المذكرة انتهاك سافر لسيادة ووحدة أراضيه،[27]https://www.bbc.com/news/world-africa-67861390 نظرا لعدم اعتراف الصومال باستقلال صوماليلاند وهو ما قاد إلى أزمة دبلوماسية بين الصومال وإثيوبيا انتهت فصولها في ديسمبر 2024م من خلال اتفاق أنقرة برعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، [28] https://www.mfa.gov.tr/etiyopya-federal-demokratik-cumhuriyeti-ve-somali-federal-cumhuriyeti-nin-ankara-bildirisi.en.mfa إلا أن تبعات هذه الأزمة مازالت قائمة حيث وقعت الصومال ومصر اتفاقية دفاعية مشتركة في أغسطس 2024م، [29] https://www.reuters.com/world/africa/egypt-sends-arms-somalia-following-security-pact-sources-say-2024-08-28/ معطية بذلك الضوء الأخضر لمصر لإرسال مساعدات على شكل أسلحة في أغسطس وسبتمبر من العام نفسه، وإلى توقيع شراكة استراتيجية بين الطرفين في يناير 2025م والتي أصبحت مظلة رسمية للتواجد العسكري المصري في القرن الأفريقي.[30] https://tinyurl.com/bdzc62ap
التبعة الأخرى لأزمة مذكرة التفاهم، كانت في عقد تحالف استراتيجي ودبلوماسي بين مصر وإريتريا والصومال كإحدى مخرجات القمة الثلاثية التي عقدت في أسمرا في أكتوبر 2024م،[31] https://www.bbc.com/news/articles/cdje7pkv1zxo وبطبيعة الحال لم تكن هذه التحركات الدبلوماسية والتحالفات الإقليمية محل ترحيب في أديس أبابا التي ردت من خلال رئيس وزرائها على أنها مسألة وقت لكي تصبح إثيوبيا في مظلة دول المطلة على البحر الأحمر،[32] https://www.garoweonline.com/en/world/africa/ethiopia-pushes-for-sea-access-defies-egypt-eritrea-somalia-alliance كما أن صرح على نية بلاده في تصحيح أخطاء تاريخية وقعت قبل ثلاثين عاما، في إشارة واضحة إلى استقلال إريتريا بدون أي تفاهمات تتعلق بمنفذ بحري لإثيوبيا، ولكن أشار آبي أحمد في عدة مناسبات إلى الحلول الدبلوماسية والقانونية هو الطريق الوحيد للوصول إلى البحر الأحمر. [33]https://www.addisinsight.net/2025/09/02/abiy-ahmed-declares-ethiopias-red-sea-mistake-will-be-corrected/ , … Continue reading
كما يبدو، فإن مذكرة التفاهم التي وقعت بين إثيوبيا وصوماليلاند تم إجهاضها أو تعليقها نتيجة للدبلوماسية الصومالية الفاعلة، وهو ما أكده تصريح رئيس صوماليلاند السابق موسى بيحي بأن إثيوبيا رضخت للضغوط العربية والأفريقية لوقف مذكرة التفاهم، وهو ما يعطي تفسيرا منطقيا لانتقال إثيوبيا من الحديث حول بربره في صوماليلاند إلى عصب الإريترية.[34] https://tinyurl.com/4dpjwnsj
نظرة للوضع القانوني لإثيوبيا بما يخص مسألة المنفذ البحري
مسألة المنفذ البحري التي تسعى إليه إثيوبيا عبر القانون قد تكون فريدة وسابقة في القانون الدولي، حيث لم يسبق أن عرضت هكذا نوع من المسائل على المؤسسات الدولية المعنية بفض النزاعات القانونية، لذا فالسبيل إلى حلول قانونية لن تكون سهلة أو قصيرة من الناحية الزمنية. وكما استعرضنا التاريخ البحري لإثيوبيا والمرتبط بشكل وثيق بالدولة الإريترية، سنجد أن النقاط الأساسية التي قد ترتكز عليها إثيوبيا في مسعاها القانوني والسلمي هي ثلاث:
أولا: القرار الأممي الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة (289 – IV) في نوفمبر 1949م والخاص بإرسال البعثة الخماسية لتقصي الحقائق في إريتريا لتحديد مصيرها، دعى إلى أخذ الاعتبار بحقوق ودعاوي إثيوبيا المستندة على الجغرافيا والتاريخ والأسباب الإثنية والاقتصادية، بما فيها على وجه الخصوص حاجة إثيوبيا الشرعية لمنفذ بحري، وهذا الاعتبار الرئيس كان ممهدا للقرار الأممي اللاحق (390 – A) الصادر في 1950م الذي بموجبه ألحقت إريتريا بإثيوبيا في نظام فيدرالي تحت التاج الإثيوبي.
وعلى الرغم من شرعية انفصال إريتريا، نظرا لسياسات الأنظمة المتعاقبة في أديس أبابا والتي سببت أضرارا جسيمة بحق الشعب الإريتري إلا أن الاعتبار المتعلق بحاجة إثيوبيا الشرعية لمنفذ بحري لم يكن محل نقاش أو مراجعة إثناء هندسة انفصال إريتريا بين 1991 – 1993م لأسباب ذكرناها آنفا.[35]Terrence Lyons, The puzzle of Ethiopian politics. P 88-89
ثانيا: الوضع القانوني للطرف الإثيوبي الذي شارك في هندسة انفصال إريتريا، وهو ائتلاف يهادق EPDRF– الجبهة الديموقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية والذي وصل لسدة الحكم من خلال إسقاط نظام الديرغ في مايو 1991م – كانت في الأساس حكومة انتقالية ولم تتمتع بأي شرعية شعبية مصدقة من خلال القنوات الديموقراطية المعهودة التي تلزم الحكومة المنتخبة بالحفاظ على المصالح العليا للبلاد، وتعرض إجراءاتها للمساءلة القانونية.[36] https://www.britannica.com/place/Ethiopia/Constitutional-framework
ثالثا: هناك مبدأ رئيس في القانون الدولي وهو مبدأ Pacta Sunt Servanda أي مبدأ الالتزام بالاتفاقيات، والالتزام بالاتفاقيات من شأنها أن تدعم الاستقرار والثقة بين الأطراف الموقعة وبناء عليه فإن إلغاء اتفاقية ما بين طرفين يجب أن يكون بالتوافق بين الطرفين، وإلا سيؤدي ذلك إلى نزاع بين طرفي الاتفاق.[37] https://opil.ouplaw.com/display/10.1093/law:epil/9780199231690/law-9780199231690-e1449
ولكن، باستطاعة الدولة الإثيوبية اللجوء إلى المبدأ المعاكس، وهو مبدء Rebus Sic Stantibus أي مبدأ تغير الأوضاع جوهريا، وهو مبدأ يعتمد على المرونة في تطبيق الاتفاقيات وإحداث تغييرات فيها في حال وقوع تغيير جذري للأوضاع التي وقعت في أثنائها الاتفاقيات.[38] https://www.law.cornell.edu/wex/rebus_sic_stantibus
لذا، امتناع الحكومة الإثيوبية الانتقالية عن مراجعة الاعتبار المختص بالمنفذ البحري في إثيوبيا أثناء مفاوضات انفصال إريتريا بسبب تحالفها مع الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا التي أصبحت الممثل الإريتري الرسمي – تحت مسمى الحكومة الإريترية المؤقتة بين 1991 – 1993م – يعتبر نقطة ارتكاز لاستخدام مبدأ تغير الأوضاع، بسبب تغير العلاقة السياسية بين إثيوبيا وإريتريا منذ 1998م حيث تحولت العلاقة التحالفية إلى حالة حرب كما 1998 – 2000م وإلى قطيعة شاملة منذ ذلك التاريخ. [39]Sean D. Murphy, The Eritrean-Ethiopian war (1998-2000), P 1
الاحتمالات الراهنة أمام المسعى الإثيوبي
المسعى الإثيوبي وإن كان سلميا كما أكد عليه رئيس وزراء إثيوبيا في العديد من التصريحات، إلا أن حالة القرن الأفريقي كإقليم مضطرب ومشحون بالخلافات البينية بين أقطاره ومشحون أيضا بالخلافات المحلية العابرة للحدود كما هو ملموس على أرض الواقع، خلق وسيخلق زخما وأبعادا أخرى للمسعى، بالإضافة إلى طبيعة المسعى بحد ذاته لتقاطعه مع إعادة ملف استقلال إريتريا وسلامة أراضيها وحدودها المعروفة، وهو ما قد يفتح الباب أمام إثيوبيا وكذلك إريتريا والقرن الأفريقي أمام احتمالات عديدة:
- رفع إثيوبيا لمسألة المنفذ البحري للأمم المتحدة، اعتمادا على نقطة الاعتبارات المتعلقة بالقرار الأممي (289 – IV)، وسينظر مجلس الأمن أو الجمعية العامة في المسألة ويتم البت فيها.
في هذا الاحتمال، سيكون من الصعب التنبؤ بموقف الطرفين الإثيوبي والإريتري في حال بت الأمم المتحدة في المسألة وإصدار قرار ملزم، خصوصا إذا كان القرار معاكسا لرغبة الدولة سواء الإثيوبية أو الإريترية، ولكن هذه النقطة تعتمد بالأساس على قبول الأمم المتحدة النظر في هذه المسألة.
- تحويل الأمم المتحدة – سواء من طرف مجلس الأمن أو الجمعية العامة – المسألة إلى محكمة العدل الدولية للبت، والامتثال ليس ملزما للبلدان المتنازعة حسب شروط الاحتكام لمحكمة العدل.
وهو احتمال ضئيل، لان تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين شائك، وسبق لإريتريا بأن رفعت قضية ضد إثيوبيا في 1999م ورفضت إثيوبيا آنذاك الامتثال أمام المحكمة.
أما السيناريوهات المتحملة نتيجة عدم التوصل لحل للمسعى الإثيوبي سواء عبر الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية قد تكون:
- الدخول في حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا، تقوم إثيوبيا من خلالها باحتلال الشريط الساحلي الجنوب الشرقي لاريتريا وإجبارها على التفاوض أو التحاكم عبر المؤسسات الدولية أو قبول الوساطات الدولية.
- قيام إثيوبيا بدعم لأطراف داخلية في إريتريا للتمرد على الحكومة الإريترية واقتطاع الأراضي المطلة على البحر الأحمر وإعلان انضمامها للدولة الإثيوبية – خصوصا من قومية العفر التي تقع ميناء عصب ضمن أراضيها، وهي قومية مشتركة بين البلدين -.
- قيام الدولة الإثيوبية بدعم المعارضة الإريترية الموجودة في الأراضي الإثيوبية لإسقاط النظام الإريتري وإفساح المجال لنظام صديق مرن في التفاوض حول نقطة المنفذ.
لماذا خيارات الحرب هي الأوفر حظا؟
التصريحات التصعيدية المتبادلة بين إثيوبيا وإريتريا والتي غالبا ما تُستدرك بتصريحات أقل حدة والتي تؤكد على عدم الرغبة في الانزلاق إلى حرب شاملة، إلا أن احتمالات حدوث تصعيد عسكري ما بين الجارتين في تزايد، وذلك لأسباب كثيرة ومتشابكة أهمها:
- الأزمات الداخلية في كلا البلدين والتي انتقلت لتدار بطريقة أو بأخرى في البلد الآخر. فإريتريا تحتضن الفصائل الإثيوبية المعارضة السلمية والمسلحة كمليشيات فانو وتسعى لجذب فصائل من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، ومن الناحية الأخرى فإن إثيوبيا تحتضن الفصائل الإريترية العفرية واللواء ن’حمدو – الثورة الزرقاء، وكل هذه الفصائل تسعى لإسقاط النظام انطلاقا من الدولة الجارة. [40] https://acleddata.com/update/news-brief-possibility-war-between-ethiopia-and-eritrea , https://tinyurl.com/35827nup
- تنامي الدور المصري في كل من إريتريا والصومال من خلال الاتفاقيات الدفاعية والاستراتيجية التي عقدت بين الدول الثلاثة، وهذا التطور في الدور المصري مرتبط أساسا بملف سد النهضة الإثيوبي الذي لم يتم حلحلته بالطرق الدبلوماسية حتى الآن.
- تحول القرن الأفريقي لساحة حاضنة للعديد من القوى الدولية المتنافسة، فهناك الصين وروسيا بالإضافة إلى الولايات المتحدة، وكذلك القوى الإقليمية في الشرق الأوسط كتركيا والإمارات وقطر.[41] https://orionpolicy.org/regional-power-dynamics-in-the-horn-of-africa-emerging-axes-of-influence/
- الحالة الراهنة للنظام الدولي. فالنظام الدولي الذي كان سائدا في العقود الأخيرة والمتمثل في نظام القطب الأوحد – بقيادة الولايات المتحدة-، يتعرض الآن لهزات كبيرة من قبل الصين وروسيا، وكما هو معلوم فإن القدرة على فض النزاعات وخصوصا تلك النزاعات المتعلقة بالضم القسري للأراضي كان متوفرا بفضل القوة العسكرية للولايات المتحدة الأميركية التي فرضت نفسها كحامي للنظام الدولي الرافض لمبدأ الضم القسري للأراضي، أما الآن فإن قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار بنفس دورها الدولي غير مرجح نتيجة لتغير المزاج الأميركي في التدخل في الأزمات الخارجية، والأزمة الأوكرانية خير شاهد.[42] https://tinyurl.com/35nkahv2
خاتمة
توصيف الساسة الإثيوبيين لمسألة المنفذ البحري بالمسألة الوجودية تعكس حجم تضرر الدولة الإثيوبية من سجن الجغرافيا الذي نتج عن سياسات سابقة وهو ضرر يتفاقم مع الانفجار السكاني؛ حيث يبلغ عدد سكان إثيوبيا حاليا 135 مليون نسمة وبمعدل النمو الحالي البالغ 2.5% سيبلغ عدد الإثيوبيين 204 مليون نسمة،[43] https://population.un.org/wpp/downloads?folder=Standard%20Projections&group=Most%20used بالإضافة إلى الأضرار الناتجة عن استغلال دول الجوار الجشع في توفير موانئها لحركة التجارة الإثيوبية؛ كما هو الحال مع الموانئ الجيبوتية والرسوم المفروضة على الصادرات والواردات الإثيوبية [44] https://birrmetrics.com/ethiopias-excessive-port-fees-reach-1-6-billion-annually-prompting-calls-for-sea-access/ ناهيك عن ارتباط استخدام الموانئ بحالة العلاقة بين دولة الترانزيت وإثيوبيا كما حدث سابقا حيث توقفت إثيوبيا عن استخدام ميناء عصب الإريتري بسبب الحرب الإثيوبية – الإريترية في 1999-2000.[45] https://lansinginstitute.org/2023/11/17/estimations-will-ethiopia-and-eritrea-start-military-conflict-over-red-sea-ports-access
ولكن من ناحية أخرى، فإن المسعى السلمي لإثيوبيا للحصول على إطلالة على البحر الأحمر قد لا يكون مفروشا بالورود، فالقرن الأفريقي المسكون بهواجس التاريخ والمسجون بإرث كبير من الأزمات التي لم تجد حلا قد يوفر الظرف المكاني الملائم لتحول المسعى السلمي إلى غيره للأسباب المذكورة آنفا.
المصادر والمراجع














