أربع وثلاثون عامًا هي عمر الدولة الارترية؛ تحوّل خلالها حلم بناء دولة مستقلة عن إثيوبيا إلى كابوس سيستفيق الارتريون منه وهم في أحسن الأحوال يبكون أطلال مدن كانت يومًا أجمل مدن المنطقة فتحولت إلى أطلال، وشوارع قد هجرها أهلها، وسجون ومعتقلات ستحكي فظائع عن صنوف العذاب التي حصدت أرواح الأبرياء، ومعتقلين سيجوبون المدن والقرى بحثًا عن أسرهم وسط ركام البيوت.
أما أسوأ الأحوال، وهو ما يبدو منطقيًا بالنظر إلى حال هذا البلد الذي يحكمه نظام استبدادي لم يتأخر يومًا في توظيف كل تباينات المجتمع ونقاط ضعفه من أجل أن يستمر في الحكم، فأغلب الاحتمالات تذهب إلى أن ارتريا سوف تواجه صراعًا داخليًا دمويًا بين أطراف قد تختلف أهدافها، ولكنها ستلتقي في أرض واحدة.
وهو ما تستدعي بحثًا لما سوف تؤول إليه الأوضاع والسيناريوهات المحتملة بعد رحيل رأس النظام الذي تسيد الموقف السياسي لخمسين عامًا، بدأت مع تكوين الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا في أواسط السبعينات.
نشأة دولة ارتريا كغيرها من الدول الأفريقية جاءت نتيجة للتقسيم الذي تعامل مع الإرث الاستعماري، وإن كانت الحالة الارترية خاصة، ولذا تأخر المخاض الذي انتهى بولادتها خمسين عامًا عن حقبة التحرر من الاستعمار في أفريقيا. فما هي الأسباب وراء ذلك؟ وهل كانت قضية السيادة موضع خلاف بين المكونات الاجتماعية أم أن الأمر كان نتيجة لمؤامرة أمريكية لصالح إثيوبيا كما رُوج لها من قبل الحراك الارتري؟
الاستعمار ومشروع التقسيم
طرحت بريطانيا، التي ورثت ارتريا ضمن المستعمرات التي ورثتها من إيطاليا، مشروع تقسيم يقضي بضم مناطق المنخفضات، والتي كان سكانها حينها أغلبهم من المسلمين، إلى السودان، وضم مناطق المرتفعات، حيث يشكّل المسيحيون الغالبية، إلى إثيوبيا.
ولكن هذا المقترح، الذي قوبل برفض من قبل نخب الكتلة الاستقلالية من أبناء المنخفضات على وجه التحديد، أنتج نوستالجيا سياسية ستكون عنوان محطات في تاريخ الارتريين في قادم السنوات كما سنرى لاحقًا.
وظهر تعريف المنخفضات والمرتفعات في الفترة التي عُرفت بفترة تقرير المصير في خمسينيات القرن الماضي؛ والسبب في ذلك أن التركيبة السكانية كانت تشير إلى واقع سياسي لم يكن بالإمكان تجاهله. فسكان المرتفعات من المسيحيين كانت لديهم ارتباطات بإثيوبيا، ولذا لم يكونوا متحمسين لفكرة استقلال ارتريا عن إثيوبيا.
فارتباطهم بإقليم التيغراي هو الأقوى نتيجة لموجات الهجرة من الإقليم إلى ارتريا، إما هربًا من الحروب أو بحثًا عن حياة أفضل. يتحدثون التجرينية أسوة بالتيغراي.
واستفاد أبناء المرتفعات من الفرص التعليمية التي كانت في غالبها حينذاك حكرًا على المسيحيين، فشكّلوا أكبر شريحة من النخب في إثيوبيا، وشغلوا أعلى المناصب الحكومية في الجيش والشركات العامة والخاصة، ولعل أبرزهم كان الجنرال أمان عندوم الذي ترأس المجلس العسكري بعد الانقلاب على الإمبراطور هيلاسلاسي في العام 1974.
الثورة الارترية وتقاطع صراع القوى الكبرى
التغييرات المتسارعة التي أعقبت الانقلاب العسكري كان لإريتريا منها نصيب الأسد؛ فقد تسبب جهل أعضاء المجلس العسكري بعد اغتيال الجنرال أمان عندوم بتوازنات القوى داخل المجتمع الارتري إلى إعلان التعبئة العامة للتجنيد، مما تسبب في نزوح جماعي لأبناء المرتفعات المسيحيين إلى ساحة القتال في ارتريا، وهو ما أنتج واقعًا جديدًا، حيث وجد مشروع الدولة في ارتريا حاضنة جديدة انتزعته من الحاضنة العربية وجعله جزءًا من صراع السلطة في الهضبة الحبشية.
لقد كان العام 1976 نقطة تحول ليس فقط في مسيرة الثورة الارترية بل وفي مسيرة إثيوبيا التي لا تزال حتى يومنا هذا تعاني من تداعيات ذلك التحول.
إثيوبيا في حضن المعسكر الشرقي
لقد نجح منجيستو هيلي ماريام في جعل السوفييت والألمان الشرقيين والكوبيين يحاربون في جبهة واحدة خلال حرب الأوجادين ضد الصومال، وهو أمر لم ينجح أي رئيس دولة في تحقيقه في السابق. بهذه الكلمات وصف الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو ما نجح منجيستو في إنجازه عندما تمكن من تبوّء مكانة في المعسكر الشرقي خلال أقل من عامين فقط. وهذا ما دفع بالمعسكر الغربي، بقيادة الولايات المتحدة، للاستنفار لمواجهة خطر التمدد الشيوعي في منطقة القرن الأفريقي، فوجد في الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا الحليف القادر على قلب الطاولة، خاصة وأن «الشعبية» حينها كانت قد أقامت حلفًا مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، فتبنّت الحليفين ووضعت تحت تصرفهما إمكانيات كبيرة ودعمًا من حلفاء أمريكا في المنطقة.
هذا التحول قدم قراءة مختلفة: فبالنسبة للإرتريين كان هذا التحول هو خروج الحراك السياسي الذي يمثل المسلمين من المنخفضات من الساحة. وبالنسبة لحكام إثيوبيا الجدد فقد قدم قراءة خلصت إلى أنه تحالف «التيغري» ضد الوطن الأم، وكانوا محقين بشأن التحالف أم التوصيف؛ فقد عبّر عن الخطأ الفادح الذي يقع فيه بقية الإثيوبيين ولا يزالون عند توصيف التركيبة الاجتماعية؛ فهم يعرّفون سكان إقليم التيغراي وسكان ارتريا بـ«التغري»، وهذا أنشأ خلطًا جعلهم يضعون الجميع في سلة واحدة، مسقطين البعد الإثني الحقيقي، وهو أن التجرينية هم سكان الهضبة، وأن ارتباطهم بالتيغراي هو ديني وثقافي وأنهم الأغلبية.
وبالعودة إلى النوستالجيا السياسية الخاصة بمناطق المنخفضات التي أُشير إليها، فقد ظهر في أوساط الثمانينيات حراك تبنّى المطالبة بحكم ذاتي للمنخفضات في إطار إثيوبيا، مستفيدين من قانون الأقاليم الذي سنّته حكومة الدرق والذي كان يقرّ بمنح الأقاليم صلاحيات أكبر. هذا الحراك طرح منح إقليم المنخفضات صلاحيات الحكم الذاتي، وهذا المشروع استقطب عددًا من الشخصيات الارترية ولقى تأييدًا حظي به قطاع من المسلمين الذين كانوا يرون في انفراد الجبهة الشعبية بساحة العمل العسكري وبتحالفها مع التيغراي خطرًا يهدد مصالح المسلمين.
لم يكن عامل الوقت في صالح الطرح؛ فقد سقط نظام الدرق وتمكن تحالف التغرينية من دخول أديس أبابا وأسمرة ليؤسسا لمرحلة جديدة في تاريخ إثيوبيا والقرن الأفريقي. لم تكن سمة المرحلة هي ولادة ارتريا فحسب، بل حراك جديد في مسلسل صراع الهيمنة في الهضبة الحبشية؛ فقد دخل عنصر جديد في معادلة الصراع، وهم «التغرينية الجدد» الذين أصبحت لهم دولة، فراودهم حلم إدارة إثيوبيا عبر توجيه حكامها الجدد الذين لطالما نظروا إليهم بتعالٍ بسبب الفجوة الاقتصادية والعمرانية التي خلفها الاستعمار الإيطالي لهم.
دولة الأحباش وعزلة الرواد
لم تلبث الحكومة الارترية في الكشف عن عدم رغبتها في عودة اللاجئين من معسكرات اللجوء في السودان، في خطوة عمّقت عزلة المسلمين الذين كانت مناطقهم ساحة المواجهات طوال الثلاثين عامًا من القتال، وتكبّدوا من أجل ذلك مرارة ترك أراضيهم والهجرة إلى السودان. أصبح السودان وطنًا بديلًا، خاصة للتغري من أبناء القبائل التي لديها امتدادات في شرق السودان، ولأن التعريف الاجتماعي في السودان يستند إلى القبيلة وليس القومية أو الإثنية، صار يُشار إليهم بأسماء قبائلهم كالبني عامر والحباب وغيرهم من القبائل.
رأت النخبة الحاكمة في السودان توطين الارتريين من أبناء القبائل المشتركة فرصة من أجل موازنة زحف قبائل غرب السودان، ولهذا وقفت إلى جانب الاتفاق الثلاثي الذي أُبرم مع الحكومة الارترية ومفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة والذي أقرّ بضرورة توطين اللاجئين في السودان. ولأن الهيمنة في ارتريا هي لصالح سكان الهضبة، لم تخشَ من أن تشكل هذه المكونات خطرًا على انفرادها بالسلطة، إضافة إلى اليد الطولى للحكومة الارترية في شرق السودان، والذي أهلها لرعاية العديد من مبادرات التسوية لحلحلة مشاكل الشرق، والتي عملت من خلالها على تهميش دور قبائل التيغري.
البيئة الطاردة في ارتريا، إضافة إلى استمرار سياسة تهميش قبائل التغري وبعض المكونات الارترية التي انضوت تحت عمودياتها في شرق السودان، والذي تم بالتعاون بين الحكومتين، جعل مجموعة من الناشطين من أبناء المنخفضات تنشئ رابطة بهدف خلق حراك للتصدي لهذا التهميش الممنهج والعمل من أجل خلق مشاركة واسعة لأبناء المنخفضات. وبهذه الخطوة عاد الطرح القديم للظهور من جديد، وهو التاطبر تحت راية المنخفضات، ولكن هذه المرة يُطرح في ظروف مختلفة وفي واقع ديمغرافي لم يمنح للطرح أي ثقل مؤثر، وإن كان قد فتح الباب أمام الحديث بشكل مباشر عن قضية التعايش بين المكونين الرئيسين لارتري
المشهد الحاسم وموعد مع التاريخ لمعالجات قديمة
لم يعد هنالك شك في أن الحضانة الرئيسية للدولة، وهي التغرينية، قد فشلت في حمل مشروع الدولة، وأنها طوال الأربع والثلاثين عامًا، وهي عمر الدولة، وقفت تتفرج، بل وتصفق للنظام وهو يقوم بتفكيك الدولة وتجريدها من كل مقومات الدولة، وسلب هذه الحاضنة المكتسبات التي تحققت لها في ظل الحكومات التي تعاقبت على حكم إثيوبيا وما تحقق من إنتاج في سنوات الكفاح بالمهجر، وهي تمنّي نفسها بمستقبل زاهر في ظل الدولة الارترية.
يتابع الارتريون أوضاع بلدهم بقلق بالغ؛ وبين من فاقد للأمل وبين من يمنون أنفسهم بتوافق بين رجالات النظام يجنب البلاد ويلات الفوضى، يقفون عاجزين لا يملكون إلا الانتظار. تقترب ارتريا رويدًا رويدًا نحو تكرار السيناريو الصومالي وبشكل متشابه إلى حد كبير. ففي الصومال انهارت مؤسسات الدولة بعد أن غاب سياد بري عن المشهد، فأصبحت العاصمة ساحة للاقتتال بين عناصر رأت فرصة للانقضاض على الحكم، ولكن المعركة طالت دون أن يتمكن طرف من حسم القتال لصالحه. أما حركات أخرى كالحركة الوطنية الصومالية فقد وجدت في الفراغ فرصة لفصل «أرض الصومال» وكان لها ما أرادت، وفي «بونتلاند» نجحت جبهة الإنقاذ في إقامة إدارة محلية في مأمن من القتال الدائر في المركز.
ووجه الشبه في السيناريو الأكثر ترجيحًا في المشهد الأخير من مسرحية حكم أسياس أفورقي يكمن في ثلاثة أحداث:
1.انهيار مؤسسات الدولة مع غياب رأس النظام، والتي سيعقبها مواجهات بين عناصر سيحاول البعض منها الانقضاض على السلطة، فيما ستقاتل أخرى من أجل النجاة في بلد لا يملك صناعات غذائية أو سلاسل توريد تعين شعبه على تجاوز أزمة كهذه.
2.آثار غياب المركز على الأقاليم الأخرى؛ ففي الحالة الصومالية منحت الفوضى فرصة إحياء دولة «أرض الصومال» التي كانت قائمة واختار قادتها التنازل في سبيل توحيد الصومال، أما في الحالة الارترية فإن المركز هو من سيعطي إشارة البحث عن البدائل؛ ذلك لأن فشل المنظومة من حكم الهضبة الحبشية إلى فشل دولة الشمال النيلي سيضع المنطقة بأسرها أمام خيارات لن يكون بمقدور مشاريع الدولة فيها الصمود، وبالتالي فإننا سنكون أمام خيارات ستطرح استدعاءً لتاريخ المنطقة وبناء سرديات يؤسَّس عليها تبنّي مشاريع جديدة ولكنها في سياقات مختلفة ستقدم مفهومًا جديدًا للسيادة.
3.الحدث الثالث، الأقرب لحالة «بونتلاند» في الصومال، سيكون مسرحه إقليم دنكاليا الارتري؛ فهذا الإقليم، كغيره من الأقاليم الارترية، لم يشهد أي تنمية تُذكر، إضافة إلى عمليات الإقصاء التي مُورست على أبنائه منذ السنوات الأولى من عمر الدولة، مما دفع ببعض أبنائه لتأسيس حركات مسلحة وغير مسلحة للتصدي لهذا التهميش. وقد توصلت هذه الحركات فيما بينها إلى قناعة بضرورة تحمل أعباء إدارة مناطقها، ومع غياب المركز ستكون أمام مهمة صعبة، وهي الموازنة بين مصالح دول الجوار وعلى رأسها إثيوبيا، وبين الابتعاد عن رفع شعار الانفصال عن ارتريا خاصة في البدايات.














