منذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان في الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣م، تحوّل البلد لبؤرة استنزاف عسكرية وإنسانية قد تمتد إلى دول الجوار.
ومؤخرا ومع انسداد الأفق السياسي، عادت الرباعية التي تضم كل من الولايات المتحدة ومصر والسعودية، والإمارات إلى الواجهة ببيانها الأخير الذي صدر في 12 سبتمر بيانا مشتركا عقب مشاورات مكثفة بشأن الصراع في السودان، أجراها وزراء خارجية الدول الأربع بناء على دعوة من الولايات المتحدة الأمريكية.
القراءة الأوليّة للبيان أشبه ما يكون بـخارطة طريق من ثلاث مراحل: هدنة إنسانية عاجلة، وقف دائم لإطلاق النار، وفترة انتقالية تنتج حكما مدنيا.
وما وراء السطور يشي بأن المواقف داخل هذه المجموعة (الرباعية الدولية) ليست متطابقة، وأن لتنفيذ تلك الخارطة على الأرض مرهون بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، مما يجعل السودان والسودانيين .
واشنطن: التلويح بالضغوط والعقوبات
منذ بداية النزاع، تبنّت الولايات المتحدة لهجة قوية ضد استمرار الحرب، وفرضت عقوبات على شركات وأفراد مرتبطين بأطراف الصراع. والبيان الأخير يعكس رغبة أمريكية في تثبيت “خط أحمر” يمنع الحسم العسكري الذي بدأ يلوح في الأفق، ويفرض التفاوض كخيار وحيد، وهو ما يعيد إلى الأذهان الحالة الصومالية واليمنية التي منع فيها حسم الصراع.
ولعل الحديث الأمريكي عن تعليق عضوية السودان في المنظمات الدولية يأتي في سياق الضغوط التي يمكن ممارستها، وبدأ جزء منها بتسمية بعض الشخصيات. وقال توم بريلو، المبعوث الأمريكي السابق في ملف القرن الإفريقي “البيت الأبيض يدرك أن استمرار الحرب سيحوّل السودان إلى بؤرة فوضى إقليمية مثل الصومال في التسعينيات. لذلك فإن الضغط عبر العقوبات والوساطة الدبلوماسية هو الأداة الرئيسية، لكن دون نية لتدخل عسكري مباشر.”
القاهرة والرهان على استقرار السودان عبر بوابة الجيش
مصر التي تضع السودان في قلب أمنها القومي، خصوصًا لارتباطه المباشر بملف مياه النيل ترى أن تفكك الدولة السودانية يهدد أمنها الحدودي ويفتح الباب لتدفقات بشرية وأمنية خطيرة، وفي ذات السياق ترى أن تحول الحكم إلى المكون المدني الفاعل يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.
و حسب مصادر دبلوماسية مصرية تؤيد القاهرة جهود الرباعية لأنها توفر مظلة دولية للتعامل مع الأزمة، لكنها في الوقت نفسه تراقب بدقة أي ترتيبات تخص الهياكل الأمنية السودانية، فهي معنية بتماسك الجيش النظامي أكثر من أي تشكيلات موازية.”
وبينما تعلن مصر دعمها للمسار السياسي الشامل، فإنها تسعى لتفادي أي ترتيبات قد تُقصي المؤسسة العسكرية السودانية أو تضعفها.
الرياض والرهان على الاستقرار الإقليمي
السعودية ومنذ بداية الحرب الأهلية في السودان ظلت طرفا محوريا حيث استضافت مفاوضات منبر جدة، وبيان الرباعية الأخير يعكس استمرار رغبة الرياض للعب دور نشط يتماشى مع سياستها الخارجية القائمة على “تصفير الأزمات” في المنطقة، مع عدم الانغماس الخشن. و يقول خبير في شؤون الخليج
“بالنسبة للسعودية، استقرار البحر الأحمر أولوية، وحرب طويلة في السودان تهدد خطوط التجارة والطاقة، مما يتعارض مع رؤية 2030 الساعية لجعل المملكة مركزًا اقتصاديًا عالميًا. لذلك تدفع الرياض نحو تسوية تُنهي القتال وتفتح المجال لإعادة الإعمار.” ولكن يبدو أن المشكلة تكمن في توافر الشريك الموثوق من عدمه.
أبوظبي بين الاتهامات والإنكار
أما الإمارات فبينما تشارك كعضو فاعل في الرباعية وتعلن دعمها لمسار سياسي، تواجه اتهامات بتقديم دعم لوجستي أو مالي للدعم السريع. كما أن المكون المدني المحسوب عليها بقيادة حمدوك – رئيس الوزراء السابق – يعتبر واجهة مدنية للدعم السريع.
وعلق محلل إقليمي على موقف الإمارات أبوظبي تنظر للسودان من زاوية استثماراتها في الموانئ والزراعة، لكنها تحت ضغط شديد لتوضيح موقفها، البيان الأخير للرباعية فرصة للإمارات لتبرئة ساحتها والتأكيد على أنها مع الاستقرار، لا مع إطالة أمد النزاع، وبحسب البعض لها دور في صياغة هذا البيان.”
مواقف غير متطابقة… لكن الهدف واحد
رغم فوارق أولويات الدول الأربع — استبعاد أو إضعاف القوى المدنية الفاعلة لمصر، استقرار البحر الأحمر للسعودية، استخدام ضغوط العقوبات لتعزيز دورها الفاعل لدى واشنطن، ومصالح اقتصادية واستراتيجية إماراتية — فإن البيان يعكس إدراكًا جماعيًا بأن استمرار الحرب سيحوّل السودان لبؤرة صراع إقليمية خطرة، وقد تستخدمه أطراف أخرى للإضرار بالأمن الإقليمي والدولي.
وفي ذات السياق ورغم اختلاف أولويات كل دولة من أعضاء الرباعية، فإن أبرز هدف متفق عليه هو تحييد عناصر النظام السابق المتمثل في الحركة الإسلامية ورموزها والمحسوبين عليها، مع اختلاف في الوسائل المتبعة لتحقيق ذلك. وهو هدف يجد قبولا من القوى الإقليمية والدولية الفاعلة خارج الرباعية.
ما بين التشاؤم والتفاؤل والحذر
خبير سوداني في شؤون النزاعات يرى أن “الرباعية تفتقر إلى الرغبة السياسية أو أدوات الإنفاذ على الأرض أو كليهما، وكل ما تملكه أو تستخدمه هو ضغط سياسي واقتصادي، وهو غير كافٍ إذا استمرت خطوط إمداد السلاح.
محلل غربي يعتقد أن “نافذة الأشهر الثلاثة القادمة ستكون حاسمة، إما نحو تثبيت هدنة جزئية أو نحو انزلاق أكبر، خاصة مع تزايد دخول الطائرات المسيّرة كعامل حاسم في المعارك”.
مراقب من الاتحاد الإفريقي يرى أن “غياب تنسيق قوي مع المنظمات الإفريقية قد يجعل أي تسوية غير مستدامة، وقد يكون مقصودا تقزيم دور الاتحاد الأفريقي ومنظماته”، ومنطقي أن الدول الأربعة غير معنية بذلك.
الموقف السوداني من البيان
لقد عبرت قيادة السودان الرسمية التي يقودها القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة عن رفضها القاطع لبيان الرباعية الدولية الأخير والخطة التي تضمنتها، بينما لم يتم الإعلان عن موقف واضح لقوات الدعم السريع أو الحكومة التي أعلنتها مع حلفائها عن بيان الرباعية المذكور، والمتوقع كما في مواقف سابقة البناء على مواقف الطرف الآخر.
وهناك تحرك من تجمع صمود الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك وأطراف مدنية أخرى، وبالتنسيق مع قوى مدنية واجتماعية وفئوية أخرى للحصول على مكان ودور في الحراك القادم.
نافذة أمل ضيقة نحو السلام
موقع السودان الإستراتيجي على البحر الأحمر وامتداد دوره في العمق الأفريقي والقرن الإفريقي يجعله ساحة تنافس وتجاذب قصوى. فبينما تحرك مصر من الشمال، تراقبو إثيوبيا من الجنوب، ويتلاعب النظام الإرتري في الشرق، وتحرك تشاد وجنوب السودان من الغرب والجنوب، بينما تبقى الموانئ السودانية مطمعا اقتصاديا واستراتيجيًا لدول الخليج والصين وروسيا وتركيا والقوي الغربية الفاعلة.
بيان الرباعية قد يعكس نوعا من إجماع دولي نادرًا، لكنه وحده غير كافٍ. فالتنفيذ يحتاج لتنسيق إقليمي ودولي صارم، عبر وقف خطوط الإمداد العسكري، وضمانات فعلية للأطراف السودانية. وبينما يواصل السودانيون دفع أثمان الحرب يوميًا، وسط غياب أصوات الغالبية من المجتمع السوداني ومؤسساته المدنية، يبقى السؤال مفتوحًا:
ويبقى السؤال… هل تنجح الرباعية في تحويل بيانها إلى واقع؟ أم يظل السودان رهينة لصراع طويل الأمد ولو لغير مصلحة البلد والشعب؟ وهل تعي الرباعية مصالح دول الجوار الأخري ودورها في تعزيز استقرار ووحدة وسلام السودان من عدمه؟ وهل سيكون هناك اهتمام بالفعل لممارسة الاتحاد الأفريقي ومجموعة الإيغاد دورا رئيساً في حل الأزمة كما هو مفترض، وتم تطبيقه في الملف الإثيوبي، وفي ملف الكونغو؟.
