يشهد السودان مرحلة حاسمة في الحرب الأهلية المستمرة منذ أبريل ٢٠٢٣ بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
واستعادة الجيش السوداني للخرطوم تمثل تحولًا كبيرًا في مسار الحرب، لكن هذا الانتصار لا يعني بالضرورة نهاية الحرب، بل قد يفتح الباب أمام مخاطر جديدة، أبرزها تقسيم السودان.
في هذا المقال، نستعرض مخاطر التقسيم، ومدى تعزز أو تراجع هذا الخيار، استنادا إلى العوامل والمعلومات.
تدخلات أجنبية وتعزيز مناطق نفوذ منفصلة
استعادة الجيش للخرطوم لا تحسم الصراع بشكل كامل، حيث تظل قوات الدعم السريع تسيطر على مناطق واسعة، خاصة في دارفور وكردفان. هذا الوضع يحمل مخاطر عديدة قد تدفع نحو التقسيم
الجيش السوداني يسيطر الآن على الخرطوم وأجزاء من وسط وشرق وشمال البلاد، بينما تحتفظ قوات الدعم السريع بسيطرتها على دارفور وأجزاء من كردفان.
هذا الانقسام الجغرافي يترسخ مع الوقت، مما يؤدي إلى ظهور كيانات شبه مستقلة، وهو ما يذكرنا بمشهد ليبيا واليمن والصومال.
وأشار تقرير بريطاني في مارس 2025 إلى أن سيطرة الجيش على الخرطوم قد تكون “نصرًا استراتيجيًا”، لكنه حذر من أن انتصارات الدعم السريع في دارفور التي تعزز مخاطر التقسيم.
وحذر تقرير لمجموعة الأزمات الدولية (ICG) في أكتوبر ٢٠٢٤ من أن استمرار الصراع دون حل سياسي شامل قد يؤدي إلى تقسيم السودان إلى “دويلات نفوذ” يسيطر عليها “لوردات الحرب”، الأمر الذي يزيد من ثقل المسؤلية على النخب السودانية استحضاره والعمل على تلافيه.
كما أن الأطراف الدولية والإقليمية التي تدعم أحد طرفي الصراع تعزز الانقسام عبر دعم أطراف النزاع لتأمين مصالحهما الإقليمية مما يؤدي إلى تقسيم فعلي مدعوم خارجيًا.
أزمة إنسانية متفاقمة
وفقًا للأمم المتحدة في مارس ٢٠٢٥، يواجه السودان أكبر أزمة نزوح في العالم، مع أكثر من ١٢ مليون نازح داخلي 2.5 مليون لاجئ في دول مجاورة. هذا النزوح يعزز الانقسام الاجتماعي والجغرافي، حيث تتشكل تجمعات سكانية منفصلة تدعم أطرافًا مختلفة.
وأفادت منظمة الصحة العالمية بمقتل أكثر من ٦١ ألف شخص في ولاية الخرطوم وحدها حتى نوفمبر ٢٠٢٤، مما يعكس حجم المأساة التي قد تدفع السكان لقبول التقسيم كحل للاستقرار.
كما أن خروج ٣٩ مستشفى من الخدمة في الخرطوم والمناطق المجاورة، وفقًا لنقابة أطباء السودان في ٢٠٢٣، يعكس انهيار البنية التحتية. هذا الضعف قد يجعل الحكومة المركزية عاجزة عن فرض سيطرتها على كامل الأراضي، مما يعزز الانفصال الفعلي.
صراعات قبلية وعرقية
قوات الدعم السريع متهمة بارتكاب جرائم تطهير عرقي ضد قبيلة المساليت في غرب دارفور، مما أدى إلى تعميق الانقسامات العرقية.
كما أن هناك اتهام للجيش باستهداف الزغاوة ومكونات أخرى، هذه التوترات قد تحول الصراع إلى حرب الكل ضد الكل و وتدفع بفكرة التقسيم إلى الأمام .
وجاء في تقرير للجزيرة نت في مارس 2025 أن الروح القبلية، مثل شعار “دولة العطاوة الكبرى”، تعزز الانقسامات الداخلية.
هل سيتعزز خيار التقسيم أم يتراجع؟
انتصارات الجيش في استعادة الخرطوم قد تدفع الدعم السريع للتركيز على تعزيز مناطقها بدلاً من السعي للسيطرة على كامل البلاد.
كما أن الخطاب الصدامي لقيادات الجيش والتهم المباشرة لدول مثل الإمارات وتشاد وجنوب السودان وحتى كينيا يدفع لمزيد من الاصطفاف وغياب أية جهود معتبرة لتوصل لحل سياسي.
وأشار تقرير لـ”فايننشال تايمز” في مارس الجاري إلى أن انتصارات الدعم السريع في دارفور تزامنًا مع سيطرة الجيش على الخرطوم قد تؤدي إلى “تقسيم فعلي”.
ويمكن القول بأنه إذا نجح الجيش في استغلال انتصاره بالخرطوم لشن هجمات حاسمة على معاقل الدعم السريع في دارفور وكردفان، فقد يتراجع خيار التقسيم.
لكن استمرت سيطرة الدعم السريع على دارفور وكردفان، والقيام بتشكيل حكومة موازية (كما حاولت في نيروبي في 2024)، فإن خيار التقسيم قد يتعزز.
موقف المجتمع الدولي والإقليمي سيكون محوريًا. إذا دعمت قوى مثل الإمارات والسعودية حلاً سياسيًا شاملاً، قد يتراجع التقسيم. أما إذا استمر الدعم الانتقائي للأطراف المتحاربة، فإن التقسيم سيصبح أكثر احتمالًا.
يسيطر الجيش على الخرطوم وشمال وشرق السودان، بينما تحتفظ قوات الدعم السريع بدارفور وكردفان ككيان منفصل. قد تظهر كيانات صغيرة في مناطق أخرى تحت سيطرة فصائل محلية.
خلاصة القول
استعادة الجيش للخرطوم تمثل نقطة تحول، لكنها لا تلغي مخاطر التقسيم، بل قد تعززها إذا لم تُتبع بحل سياسي شامل.
ويتعزز ذلك في ظل استمرار سيطرة الدعم السريع على دارفور وكردفان مع التدخلات الخارجية، بينما يتراجع إذا نجح الجيش في فرض سيطرته عسكريا، أو تم التوصل إلى تسوية.
السيناريو الأكثر احتمالًا حاليًا هو استمرار الحرب الاستنزافية أو التقسيم الفعلي، مع تداعيات إنسانية وإقليمية خطيرة.
والمطلوب هو توافق داخلي على حل سياسي، أو يحدث تدخل دولي عاجل لمنع انهيار السودان بالكامل.