نيلوتيك بوست

السودان: خارطة طريق جديدة

alt=

يتجه المشهد السوداني في الأسابيع الأخيرة نحو إعادة تشكيل شامل لمسار الأزمة، بعد أن وصلت الرباعية (السعودية والإمارات والولايات المتحدة ومصر) إلى قناعة مشتركة بأن استمرار الحرب لم يعد خيارًا قابلًا للتحمل.

هذا التوافق، الذي تبلور في سلسلة اجتماعات رفيعة جرت بين الرياض وواشنطن وأبوظبي، لم يكن مقصورًا على وقف إطلاق النار فقط، بل تمت صياغته ليكون إطارا سياسيا كاملا يعالج جذور الأزمة، حسب رؤية وعلى رأسها إخراج عناصر النظام السابق من المشهد، وهو المطلب الذي لاقى توافقا نادرا بين جميع الأطراف الإقليمية والدولية، مقابل ما يشاع عن مقاومة شرسة من المستهدفين وأنصارهم، ومحاولات التفاف من داخل بعض دوائر الجيش.

محطة واشطن و بدء التحول الحقيقي

شكل اللقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان نقطة ارتكاز لمسار جديد. فقد توافق الطرفان على أن السودان – بموقعه وثرواته وحدوده- لا يمكن تركه ساحة مفتوحة للتدخلات الروسية، أو بيئة لصعود شبكات العنف المتطرفة في الساحل والقرن الأفريقي، وما يعنيه ذلك من مخاطر وتحديات يصعب التنبوء بعواقبها.

كان الاتفاق بينهما واضحا بأن الحرب يجب أن تتوقف خلال أشهر، وأن منصة جدة التي تقودها السعودية والولايات المتحدة ستظل الأساس، ولكن بطريقة أكثر فاعلية وصلابة مما كانت عليه في السابق.

كما تم الاتفاق على أن السماح لرموز النظام السابق بالعودة إلى صناعة القرار أو التأثير في المسار السياسي سيعيد إنتاج دوامة الفوضى، وبالتالي أصبح بند الإقصاء الكامل شرطا لا يمكن مناقشته أو التراجع عنه.

ولتنفيذ هذا الإطار المتفق عليه تحركت واشنطن سريعا بإرسال كبير مستشاري الرئيس ترامب مسعد بوليس إلى أبوظبي في زيارة وصفت بأنها الأكثر حساسية منذ اندلاع الحرب، وهناك جرى تنسيق معمق بين الإمارات والسعودية والولايات المتحدة، وشارك خبراء أفارقة ومسؤولون سودانيون غير رسميين، بهدف تثبيت خريطة طريق موحدة.

خارطة طريق جديدة

هذه الخريطة تضمنت وقفا طويلا لإطلاق النار، وترتيبات إنسانية عاجلة، يليها إطلاق عملية سياسية شاملة تحت إشراف الاتحاد الأفريقي، مع التأكيد الصريح على إخراج عناصر النظام السابق من المشهد السياسي والعسكري بلا استثناء، وهنا يرد ما قاله السيد ياسر العطا بأن الكثير من عناصر النظام السابق تم استيعابهم في الدعم السريع، ولا يتحدث عنهم أحد.

في المقابل لم يكن لقاء البرهان مع مسعد بوليس سهلا أو سلسا. فالبرهان ركز في حديثه الأخير على سردية شرعية الدولة، وأن الجيش هو المؤسسة الوحيدة التي يجب الاعتراف بها كممثلة لسيادة السودان. غير أن عرضه السياسي جاء أقل بكثير من توقعات الرباعية، حيث لم يبدالتزاما واضحا تجاه ملفات الإقصاء أو الإصلاح العسكري، أو ضمان مدنية المرحلة الانتقالية، مما أعطى صورة ضبابية مقصودة أو عابرة.

الأهم أن البرهان حاول تجنب الخوض في مسألة عناصر النظام السابق، رغم أنها تقريبا محور الإجماع الدولي. مما عزز اعتقادا متناميا لدى الرباعية بأن بعض الأطراف داخل الجيش تحاول تأجيل هذا الملف أو الالتفاف عليه، حماية لشبكات النفوذ القديمة التي ترى في الحرب فرصة للعودة.

وفي المقابل جاء إعلان محمد حمدان دقلو (حميدتي) موافقته على وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، وقبوله بمرجعية الرباعية ليشكل تحولا ذا دلالة سياسية كبيرة. فرغم ما يقال حول دوافعه، فإن قبوله الصريح  والسريع بالإطار الدولي الجديد أعطاه هامشا سياسيا أوسع للمناورة، وسمح له بتقديم نفسه كطرف مستعد للانخراط في التسوية، مقابل إظهار الجيش – كما تقول بعض الأطراف – بصورة الجهة التي تضع العراقيل.

لا يعني هذا بالضرورة أن الدعم السريع بلا مسؤولية، بل إن حميدتي نفسه أكد وبقوة على المحاسبة الصارمة لكل من يثبت تورطه. لكن يظهر أن كل طرف يحاول تقديم موقعه وتحسين صورته أمام المجتمع الدولي بما يخدم أجندته الخاصة، ويعزز من مواقفه في التفاوض، ويخاطب قاعدته الجماهيرية، وحاضنته الشعبية.

غير أن المعركة الأعمق التي تدور خلف الكواليس ليست فقط بين الجيش والدعم السريع، بل بين السودان الجديد والسودان القديم كما يحلو للبعض تسميته. فأنصار النظام السابق ينظرون لأي عملية سياسية قائمة على الإقصاء باعتبارها تهديدا وجوديا لهم، ويقاتلون في الميدان والسياسة والإعلام لمنع أي اتفاق قد يُسقط نفوذهم.

في المقابل ترى الرباعية – عدا الحليف التقليدي – أن وجودهم يشكل خطرًا مباشرًا على الاستقرار، وأن استمرارهم في تغذية الحرب أحد أبرز العوامل التي تعرقل الحل. مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة متفقة – لأول مرة منذ سنوات – على أن السودان لن يستقر ما لم يتم إخراج رموز النظام السابق، بما فيها شبكاتهم داخل المؤسسات والأجهزة.

مظلة الاتحاد الأفريقي

وبينما تتصاعد الجهود الدولية لحل الأزمة السودانية، تبدو العودة إلى مظلة الاتحاد الإفريقي خطوة محسوبة بدقة. المنظمة الإفريقية توفر غطاء مقبولا من معظم الأطراف السودانية، ويمنح العملية السياسية طابعا إفريقيا يقلل من حساسية النفوذ الخارجي في الوجدان الوطني، ويمنع تكرار أخطاء التفاوض الثنائي أو المسارات الموازية التي أغرقت البلاد في تعقيدات إضافية.

إن عودة المفاوضات تحت إشراف الاتحاد الأفريقي تمنح السودانيين فرصة لإعادة هندسة العملية الانتقالية ضمن إطار أوسع وأكثر شمولا، منا يتيح دمج القوى المدنية بطريقة متوازنة وتحت رقابة إقليمية أقل تحيزا، وبعيدا عن الحسابات والمصالح ببعض أطراف الرباعية، وما ينتج عنه من تجاهل لمصالح وسيادة الدولة السودانية، وحساسية متبادلة من هذا الطرف أو ذاك، مما يسمح بانتكاسة أي تفاهمات قادمة.

إن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فالنافذة التي فتحتها الرباعية قد لا تتكرر، والوضع الميداني لا يسمح بحلول جزئية أو ترتيبات محدودة. والمطلوب أن يقرر الجيش ما إذا كان سيواصل الحرب بدعم قاعدته وأنصاره، أو سيلتقط اللحظة التاريخية ويقبل بالدخول في عملية سياسية تضمن وحدة الدولة، وتقود إلى سلطة مدنية مستقرة.

وفي الجهة الأخرى، فإن الدعم السريع وحلفاء من جماعة التأسيس هأمام اختبار حقيقي لتثبيت التزامه بوقف النار والانخراط الجاد في الترتيبات الأمنية والسياسية.

وما بين الضغوط الدولية والتوازنات المحلية، يبدو أن الطريق الأكثر واقعية للسودان يبدأ بوقف شامل لإطلاق النار، يليه مسار سياسي تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، الأطراف المعرقلة من المشهد حفاظًا على استقرار طويل الأمد. وسيكون العام المقبل حاسمًا في تحديد ما إذا كان السودان سيتجه نحو تسوية تاريخية أو نحو انفجار أكبر.

وفي الختام فالحرب الأهلية في السودان سببت شرخا مجتمعيا عميقا يحتاج إلى معالجة حكيمة بمنهجية وعناية مدروسة، فهناك ملفات مسكوت عنها لم يتم معالجتها ظهرت للعلن وأنتجت ما نراه من مآسي وثمن باهظ إنسانيا. وهناك أطراف استغلت الأحداث ووظفتها في الإساءة لعلاقات السودان مع جيران السودان خدمة لأجنداتها ومصالحها الضيقة، وكل هذا يحتم معالجة هذا الجانب بشكل جاد وحقيقي لكي يستطيع السودان عافيته بأسرع وقت وبأفضل حال.

Exit mobile version