القرن الإفريقي بين الارتهان لتركات الاستعمار وضرورات التعاون والتكامل

سعيد أحو24 نوفمبر 2025Last Update :
القرن الإفريقي بين الارتهان لتركات الاستعمار وضرورات التعاون والتكامل

لا شك أن الدولة القطرية في القرن الإفريقي هي نتاج الرؤية الاستشرافية التي رسم بها الإستعمار الغربي مستقبل هذه المنطقة من حين قدومه إليها، إذ تعمد، وكما فعل في مناطق أخرى من العالم، تقسيم شعوب وجغرافية هذه المنطقة بصورة تفتقر إلى العدالة من حيث تجانس الشعوب، وفرص الحصول على الأرض المفيدة بالتكافئ. إذ قام بإحداث دول شريطية على شواطئ البحار تفتقر إلى الكثير من المقومات التنموية، مثل الأراضي الزراعية، ومصادر الطاقة، والعامل البشري. ودول أخرى أصبحت رهينة الحبس الجغرافي بدرجة تعيق التنمية الإقتصادية في هذه الدول وبصورة ملحوظة، وهو ما أدى إلى بروز مطالبات جدية بالتكامل على أساس المصالح المتبادلة. 

وما أشرنا إليه من عبث الإستعمار عند تقسيم الأرض وأهلها على هواه في هذه المنطقة نتج عنه ما يبدو من شعور بالظلم بتقسيم الثروات الطبيعية، وهشاشة الشعور الجاد بالمواطنة المفروضة بفعل القوة على الشعوب في أغلب الأحيان، إذ ينتاب غالبية شعوب المنطقة شعور بتشتت الهوية الوطنية لديها بين الأقطار التي تنتمي إليها، لأن جل الشعوب تم تقسيمها بين دول المنطقة مع تعمد أن تكون الشعوب خليطا غير متجانس، وذلك ليضمن الإستعمار سيادته بخلق بيئة غير متوافقة يستحيل معها تنسيق هذه الشعوب لجهودها الرامية إلى تحقيق مصالحها المشتركة في إطار دولتهم، لأن ذلك كان سيؤدي في النهاية إلى أمور من شأنها قض مضاجع الإستعمار في فترة بقائه بالمنطقة، وعليه حرص على أن تكون خططه محكمة بحيث تضمن استمرارية من نوع ما لإرثه الذي ظل يعمل لترسيخه من فترة قدومه إلى حين جلائه من المنطقة ظاهريا.

وعلى الرغم من هذا كله فإن الأوضاع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية في المنطقة لايمكن تبرئتها بالكلية بما دبره الإستعمار ليستتب له الوضع في فترة بقائه بالمنطقة، لأن درجة الإختلاف بين شعوب المنطقة ليست مستعصية على الحل لدرجة يصعب معها إحداث اختراق إيجابي لتوطيد السلم الأهلي بين شعوب القطر الواحد، وتسخير كل الإمكانيات والجهود لتحقيق المصالح العليا للشعوب، من خلال تجاوز الحنين إلى وضع ما قبل الإستعمار، بتقبل دولة المواطنة التي أرادها الإستعمار لنالغاية في نفسه كأمر واقع، ومن خلال الإيمان بأنه يمكننا الاستفادة من هذا التنوع الذي فرضه هذا الواقع بعدم التمرد عليه، لأن التفكير بعكس ذلك هو ما أوصلنا إلى ما نعانيه اليوم من ضعف في التنمية بكل أشكالها، وبعيدا عن مجازفات البحث عن سبل تغيير الوضع الراهن الذي رسخه الإستعمار لعقود، فإن الاستثمار بالدول القطرية بشكلها الحالي هو أمر لابد منه في نظري على الأقل.

إنطلاقا من قاعدة الفهم المعمق لطبيعة التركيبة الديمغرافية لدول منطقة القرن الإفريقي، من الأجدر أن تسعى هذه الدول إلى ترسيخ العدالة الإجتماعبة والاقتصادية والسياسية على مستوى الأقطار، وذلك للحفاظ على التماسك الداخلي لأبناء البلد الواحد، وتحقيق الإستفادة القصوى من التنوع العرقي والثقافي تحت مظلة دولة المواطنة، وهو ما سيساهم بترسيخ الشعور الجاد تجاه مسألة المصير المشترك لشعوب هذه المنطقة، بما يتجاز النعرات القبلية والقومية التي ساهمت ولا تزال بالانغلاق على الذات الذي أضر كثيرا بالدول وشعوبها، مما جعلها في ذيل الركب وفق معايير التنمية والتقدم على مستوى العالم. 

ولكي لا يعتقد القراء أنني أتعمد رسم صورة قاتمة لمستقبل المنطقة، أشير إلى أن هذه المنطقة أمامها مسقبل مشرق، لكنه يتطلب توافر شروط من قبيل التماسك الداخلي لدول المنطقة، والتعاون والتكامل بين دول القرن الإفريقي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، والاستفادة المتبادلة بين جميع الأطراف من الإمكانيات والثروات، كمصادر الطاقة، والأسواق التجارية، والموانئ البحرية، والعمق الاستراتيجي، بدرجة تحقق التكامل المنشود، وهو ما سيساهم بتحقيق النمو لهذه المنطقة وفي كل المجالات، والوصول إلى الاستغناء شبه التام عن استيراد السلع من خارج المنطقة وذلك بتفعيل التجارة البينية بين دول القرن الإفريقي إلى أقصى حد.

ويتطلب اعتبار مسألة التكامل بين دول المنطقة ضرورة حتمية للبقاء والإزدهار في منطقة تتسم بالهشاشة والتنافس الدولي المحتدم، وتحقيق النجاح في هذا المسار يتطلب إرادة سياسية حقيقية من قادة الدول، ورؤية استراتيجية تتجاوز الخلافات الضيقة بين دول المنطقة. كما تتطلب بناء مؤسسات وبنى تحتية فاعلة وقادرة على تحويل التحديات إلى فرص لدول وشعوب المنطقة.

ولكوني أؤمن بأن ليس للإنسان إلا ما سعى، أعتقد جازما بأن السعي الجاد في هذا الاتجاه سيحقق نتائج مرضيةعلى أرض الواقع بقدر الجهد المقدم لتحقيق هذه الغايات الشاملة.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept