نيلوتيك بوست

تنزانيا وعقود من البركان الخامد

alt=

تنزانيا كانت على موعد لإجراء انتخابات عامة بين ٢٩-٣٠ أكتوبر غير أن للجموع الغاضبة كان وجهة نظر مختلفة.

انه غضب الجماهير التي اقتحمت مراكز الاقتراع، وأحرقت بعضها، وسيطرت على المطار وسط عمليات قمع واعتقال بين المحتجين، ومنع مشاركة الإعلام الدولي وقطع الانترنت وتقييد المكالمات الدولية. فكيف وصل هذا البلد المشهود له بعقود من الاستقرار السياسي والنمو النسبي إلى هذه اللحظة الفارقة.

مدخل تاريخي

تشكلت تنزانيا إدارياً وسياسياً من اتحاد البرّ الرئيسي (تنغانيكا) وجزيرة زنجبار في ١٩٦٤ لتعرف باسم جمهورية تنزانيا المتحدة. ومنذ الاستقلال وحتى اليوم يهيمن على حكم البلاد حزب “شاما شا مابيندوزي” و يعني “حزب الثورة” Chama Cha Mapinduzi

و تأسس حزب شاما شا في فبراير ١٩٧٧، من اندماج حزب الاتحاد الوطني الأفريقي لتانجانيقيا (TANU) بقيادة جوليوس نيريري، الملقب ب المواليمو نيريري وحزب الشعب الأفريقي في زنجبار (ASP) بعد اتحاد تنزانيا.

وأيديولوجيا تبنى الحزب اشتراكية أفريقيًا (إيجاما)، وهي خليط من مبادئ العدالة الإفريقية والاشتراكية العالمية.

ومع انتهاء الحرب الباردة بهزيمة المعسكر الشيوعيون تحول الحزب إلى الاشتراكية الديمقراطية مع تطعيمات ليبرالية كالتحول من الاقتصاد المركزي، وخصخصة بعض القطاعات العامة، وفتح السوق.

وسياسيا تبنت البلاد مبدء تعدد الاحزاب، وانتقلت من نظام الحزب الواحد والسماح بالأحزاب المعارضة مع أنه شكلي تحت ضغط دولي وداخلي.

عقود من حكم الحزب الواحد

وعبر عقود من الحكم والسيطرة دون انقطاع منذ ١٩٦١ شكلت مزيج من التوجهات القومية، التنمية العمومية، والإدارة المركزية القوية مصدراً دائماً للشرعية عبر

و سمح الهوس بـما عرف بالاستقرار التنموي للحزب بالاحتفاظ بالسلطة و ترسخ آليات مركزية ومؤسسية تحجّم المعارضة، وقتل أي فرصة لنشوء تنافس سياسي حقيقي.

فمنذ التحول إلى نظام تعدد الأحزاب فاز الحزب الحاكم بكل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية منذ ١٩٩٥، ويسيطر على أكثر من ٩٠ ٪؜ من المقاعد البرلمانية في معظم الدورات. مما جعل جميع القنوات مسدودة أمام المعارضة السياسية للتعبير والتنافس بإنصاف.

ورغم وجود بعض مؤشرات النمو، هنالك تباين في توزيع الثروة، وبطالة شبابية مرتفعة، وأوضاع معيشية تزيد دوافع السكان للخروج إلى الشارع عند شعورهم بأن قنوات الإصلاح الديمقراطي مغلقة.

كما أن اقليم زنجبار يمثل تحديا مركزيا: حيث أن هناك إحساس قوي بالهوية المحلية، ومطالب أكثر بصلاحيات ذاتية بالمشاركة في موارد مثل الغاز، ما يجعل أي أزمة وطنية تتداخل معها بروز حس انفصالي بالإقليم، ويزيد التعقيد.

مخاض الانتقال إلى التعددية

وبعد انتقال السلطة إلى رئيسة الجمهورية سامية سولهو إثر وفاة الرئيس جون ماجوفولي في ٢٠٢١ حصل انفتاح جزئي معارضين سابقين وحوار مع المعارضة.

لكن وتحسبا للصعود السياسي للمعارضة تصاعدت ممارسات قمعية ضد المعارضة وتضيق الفضاء على المجتمع المدني شملت اعتقالات، واختفاءات قسرية، وقيود إعلامية، لتأخذ في السنتين الأخيرتين قبيل انتخابات الحالية طابعًا مؤسسيا ومن قبل بعض الأجنحة في الحزب الحاكم.
ورصدت تقارير حقوقية المئات من حالات الاختفاء والاضطهاد السياسي في ٢٠٢٤ ٢٠٢، ما أدخل البلد في دورة من الاحتقان قبل الاقتراع.

ومع تزايد الفساد ، خاصة في صفقات البنية التحتية. واستمرار وترهل النظام السياسي فقدت شريحة الشباب و التي تشكل أكثر من ٦٠٪؜ من السكان ، ثقتها في الطبقة السياسية الغائبة عن واقع الجيل الجديد الذي يعتبر الحزب قديما وفاسدا مما زاد من الهوة الفكرية و الانقسامات بين اجنحة الحزب والدخول في صراعات بين تيارات المحافظين والإصلاحيين، خاصة بعد موت الرئيس ماغوفولي.

واقع مفتوح على كل الاحتمالات

بعد عقود من حكم الحزب الواحد تعيش تنزانيا واقعا مفتوحا على عدة احتمالات أبرزها استعادة الحزب الحاكم لزمام المبادرة وفرض استقرار أمني بفعل عبر تشديد القمع و الاجراءات الامنية، مما يوفر استقرار نسبيا قصير الأمد، تتراجع معه الاحتجاجات المنظمة.

وقد تلجأ الحكومة تحت ضغط داخلي وإقليمي ودولي، إلى إجراءات تهدئة الأجواء دون مساس بهيمنة السلطة. عبر قيام حوار وإصلاحات محدودة، و أخرى رمزية تتمثل في إطلاق سراح بعض المعتقلين، وتشكيل لجنة تحقيق محايدة، والقيام بتعديلات تشريعية محدود تسهل عودة بعض الأحزاب للمنافسة. مما يخفف الاحتقان والقيود القانونية تدريجيا.

وفي الختام يمكن القول أن تنزانيا على مفترق: إما طي الأزمة عبر حوار وطني حقيقي، وتقديم مؤشرات إصلاحية قابلة للقياس مطمئنة للرأي العام المحبط. أو استمرار القمع الذي يؤدي إلى تآكل الشرعية وتفجير أزمات أعمق، مما ينذر بمخاطر على الاستقرار الداخلي والإقليمي والاقتصادي، وقد تقضي على كثير من المكتسبات.

Exit mobile version