نيلوتيك بوست

جمهورية أرض الصومال: بين استحقاق الاستقلال وتداعيات الاعتراف الإسرائيلي 

alt=

الخلفية التاريخية للهوية المستقلة لأرض الصومال

كانت هذه المنطقة موطنا لسلطنات ومشيخات صومالية تقليدية، أبرزها سلطنة إسحاق وسلطنة ورسنجلي، التي كانت تتمتع بهياكل حكم محلية ذات طابع عشائري، وقد عرفت المنطقة بقوة الروابط القبلية والنظم التقليدية التي نظمت العلاقات الاجتماعية والسياسية وعملت كقوة محلية مستقلة عن الجنوب الصومالي قبل دخول القوى الاستعمارية الأوروبية إلى المنطقة.

أرض الصومال محمية بريطانية منذ 1884

وظل هذا الوضع قائما حتى الاسقلال، حيث أنتج نمط إدارة بريطانية مختلفة عن تلك التي طبقت في الصومال الإيطالي جنوبا. وقد تطورت فيها بعض مظاهر الإدارة الحديثة على النمط البريطانيي، مما شكل لاحقا أساسا لتمايز شعورها السياسي، وقد وضع البريطانيون حدود المنطقة التي ما زالت تستخدم في مطالب الاستقلال الحالية.
وبعد أن أعطت بريطانيا الاستقلال لدولة أرض الصومال في 26 يونيو 1960, تنازلت الأخيرة وبعد خمسة أيام فقط من تاريخ الاستقلال عن  بريطانيا لصالح الوحدة مع الجنوب الذي نال بدوره الاستقلال عن إيطاليا في 1 يوليو من نفس العام، ليتم إعلان جمهورية الصومال الموحد  التي اعتبرت حينها استثناءا، حيث تمثل الدولة الوحيدة التي تشكلت من قومية واحدة مما جعل كل شعوب المنطقة التي لم يتحقق لها هذا المطب بفعل فاعل تطوق إلى الظفر بحظ من هذا النوع، وعلقت على الصومال آمال كبيرة لنجاح تجربة دولته الحديثة كنتيجة طبيعية لتماز التجارب الغنية الرئيسية والتجانس العرقي والديني والثقافي الذي التي افتقرت إليها الدول الأخرى  في المنطقة. 


أرض الصومال في ظل الصومال الموحد: بين التهميش والنضال من أجل العدالة

بعد استقلالها من الاستعمار البريطاني عام 1960، واختيارها طواعية الاتحاد مع الصومال الإيطالي لتشكيل “جمهورية الصومال الموحد” إلا أن تأييد الصومالي لانديين لهذا الاتحاد لم يدم طولا، إذ سرعان ما بدأت تظهر ملامح شعور الصومالي لانديين بالتهميش السياسي والاقتصادي والثقافي، وهو ما شكل خلفية للصراع لاحقا.

وبالرغم النوايا الطيبة تجاه الوحدة، فإن صيغة الاتحاد لم تكن مدروسة بعناية، حيث لم يعتمد دستور شامل متوافق عليه، ولم تمنح أرض الصومال حصة عادلة في السلطة أو الموارد، من بداية الوحدة مما خيب آمال الصومالي لانديين تجاه الوحدة مبكرا، واستبعاد الكفاءات الشمالية من المناصب العليا، وتكريس الهيمنة للقبائل الكبرى في الجنوب، وتمييز اقتصادي تمثل بغياب المشاريع التنموية في الشمال بالمقارنة مع مناطق الجنوب، وتهميش ميناء بربرة لصالح موانئ جنوبية والقمع الأمني الذي أقدم عليه سياد بري، وتفاقمه ضد الشمال، حيث شهدت مناطق مثل هرجيسا وبربرة حملات عسكرية عنيفة، أبرزها القصف الجوي لهرجيسا في أواخر الثمانينات، الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من المدنيين وفق تقارير صدرت في تلك الحقبة.
وهو ما أدى إلى تطور المقاومة من احتجاجات سلمية إلى صراع مسلح، وبروز الحركة الوطنية الصومالية (SNM) التي أسسها أبناء الشمال في المنفى كرد فعل على القمع الوحشي لنظام سياد بري، ولم تكن مغزى النضال في تلك الفترة هي الانفصال، بل للمطالبة بالكرامة والعدالة بكل أشكالها، قبل أن يتحول لاحقا ومع انهيار الدولة المركرية إلى قناعة بأن الدولة الموحدة لم تعد ممكنة. 

أرض الصومال: تجربة ناجاحة في بناء دولة مستقلة

بعد انهيار الدولة الصومالية المركزية وفشل كل المساعي الإقليمية والدولية التي سعت للملمة الصوماليين إلى بعضهم طيلة العقود الماضية وبقاء البلاد كفرخ لم ينبط له الريش حتى الآن، سلك أرض الصومال طريق بناء الدولة المستقلة بتجربة تعد لافتة في القرن الإفريقي، وواحدة من أبرز النماذج في بناء الدولة من الصفر دون اعتراف دولي، ونجحت الصومالي لاند في تحقيق أمن داخلي قوي مقارنة بالصومال الجنوبي.
فلا توجد بها حركات تمرد داخلية، ولا حضور يذكر للجماعات المتشددة كما هو الحال في مقديشو، وبها تم تأسيس جيش وشرطة وطنية موحدة ومنضبطة، كما استفادت صومالي لاند من الدور التقليدي والمجتمعي للنظام العشائري في إدارة الصراعات بدرجة كبيرة.
  وتعد التجرية الديمقراطية لأرض الصومال ناجحة بكل المعايير حيث أُجريت فيها عدة انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية بشكل سلمي وشفاف.

بعد انهيار الدولة الصومالية المركزية وفشل كل المساعي الإقليمية والدولية التي سعت للملمة الصوماليين إلى بعضهم طيلة العقود الماضية وبقاء البلاد كفرخ لم ينبط له الريش حتى الآن، سلك أرض الصومال طريق بناء الدولة المستقلة بتجربة تعد لافتة في القرن الإفريقي، وواحدة من أبرز النماذج في بناء الدولة من الصفر دون اعتراف دولي، ونجحت الصومالي لاند في تحقيق أمن داخلي قوي مقارنة بالصومال الجنوبي.
فلا توجد بها حركات تمرد داخلية، ولا حضور يذكر للجماعات المتشددة كما هو الحال في مقديشو، وبها تم تأسيس جيش وشرطة وطنية موحدة ومنضبطة، كما استفادت صومالي لاند من الدور التقليدي والمجتمعي للنظام العشائري في إدارة الصراعات بدرجة كبيرة.
  وتعد التجرية الديمقراطية لأرض الصومال ناجحة بكل المعايير حيث أُجريت فيها عدة انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية بشكل سلمي وشفاف.

وتم تداول السلطة سلميا أكثر من مرة، وهو أمر نادرالحدوث في المنطقة، وتحظى الانتخابات بأرض الصومال بمتابعة وإشادة المراقبين الدوليين رغم عدم الاعتراف الرسمي بها كدولة ذات سيادة.

وبالرغم من ضعف الموارد وغياب الاعتراف، تدير صومالي لاند اقتصادها بفعالية وساعدها على ذلك صعود ميناء بربرة كمحور تجاري بعد أن تم تطويره بشراكة مع موانئ دبي، وهناك خدمات تعليمية وصحية مقبولة مقارنة بدول الجوار.

ومن النجاحات المبهرة لأرض الصومال إدارتها لملف سياستها الخارجية والانفتاح على  دول العالم وفي مقدتها دول الجوار. فبالرغم من عدم نيل اعتراف رسمي، فأرض الصومال لديها مكاتب تمثيلية في عدة دول، كما تتمتع بعلاقات غير رسمية مع دول عربية زغربية وأفريقية. وحضور قوي في المنتديات الإقليمية والدولية كمراقب لثلاثة عقود سابقة، وبهذا تستوفي أرض الصومال المعايير الأساسية المتفق عليها عالميا لتكوين الدولة وهي وجود سكان دائم وإقليم محدد بحدود واضحة وحكومة فعلية مستقلة بالإضافة إلى القدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى وهو ما نراه متحققا على أرض الواقع في حالة أرض الصومال

أرض الصومال: بين ظلم ذوي القربى وانتهازية إسرائيل


بالرغم من المسار التا يخي لتشكل كيان أرض الصومال الذي يشير إلى نموذج فريد من نوعه في منطقة القرن الإفريقي، يواجه أرض الصومال تحديا  جوهريا تمثل في غياب الاعتراف الدولي المعلن، وذلك لأسباب ترتبط في مجملها بالمصالح الدولية والإقليمية رغم علم الجميع باستحقاق أرض الصومال لاسقلال تام وفق المعايير الدولية.

ويعلق هذا الرفض الإقليمي والدولي لاستقلال أرض الصومال على شماعة الشرعية الدولية التي باتت تستخدم في عالم اليوم لطمس الحقوق أكثر من حمايتها.

فرغم من تأكد العالم أجمع من أن تجربة الصومال الموحد أثبتت مشلها قبل وبعد إنهيار الدولة الصومالية الموحدة من بداية التسعينات من القرن المصرم، وكل المعطيات حول هذه القضية نجدها تشير إلى سردية تاريخية تؤكد على استقلال ووحدة هذه المنطقة في إطار مماليك فبلية لا يجمعها مع الجنوب الصومالي شيئ يذكر في مجال الحكم والإدارة.

كما نجد ترسخ هذا الواقع مع قدوم الإستعمار الغربي إذ أنتدب أرض الصوال من قبل البريطانيين بينما وقع الصومال الجنوبي تحت الإستعمار الإيطالي، وهو ما كان كافيا لتعميق هوة التباين بين الهويتين الشمالية والجنوب. 
إلا إن السعي للاعتراف من قبل دول مثيرة للجدل في المنطقة أو خارجها مثل إسرائيل حمّل أرض الصومال مخاطر متعددة وردود فعل سلبية من الجوار الإقليمي وخصوصا من دول عربية وإسلامية التي عارضت الاعتراف الإسرائيلي لأسباب تاريخية وسياسية، إضافة إلى وحدة المصالح الإفريقية، حيث تجاري بعض الحكومات تحالفات إقليمية واسعة ضد التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة.

إلا أن هذا الرفض لا يعدو كونه لحظيا في نظري لأن معظم المنددين بالاعتراف الإسرائيلي يتمتعون بعلاقات دبلوماسية جيدة مع اسرائيل من تحت الطاولة أو من فوقها.

كما أن جل المعارضين للخطوة الإسرائيلية مقتنعين قناعة تامة بأن هذا الإعتراف جاء في إطار أوسع لتطبيع دول عربية وإسلامية  مع إسرائيل في إطار الاتفاقيات الإبراهيمية التي تم الشروع بها برعاية أمريكية بالإضافة إلى استحقاق أرض الصومال  للاستقلال وفق معطيات التاريخ والواقع الملموس على السواء.   

Exit mobile version