تحتفل إثيوبيا في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر كل عام بعيد إريشا ايذاناً بقدوم موسم الربيع الذي تتفتح فيه الزهو ويقترب في موعد الحصاد وتتعالى فيه الآمال وتنطلق منه طاقة إيجابية.
تقليديا، إريشا ، هو عيد شكر سنوي يحتفل به الأورومو، أكبر قوميات إثيوبيا سكانا ومساحة، تفاؤلا بانقضاء موسم الأمطار الكثيفة والغيوم الثقيلة، والفيضانات التي تقطع سبل التواصل بين القرى والمناطق.
ويمتد موسم الأمطار في إثيوبيا قرابة أربعة أشهر- بين يونيو وسبتمبر – ويسوده ركود اقتصادي مما يجعله ضيفا ثقيلا يسعد الناس انقضاءه بسلام.
شكرا للخالق … رغم تناقضات الوجود
وحسب خبراء الأنثروبولوجيا فإن كرنفال إريشا فرصة لنشر الإيجابية المطلقة دائما وفي كل الأحوال، رغم تناقضات الحياة والوجود، وذلك حسب الرؤية الأساسية لنظام أبا غدا الذي ظل ينظم الحياة الاجتماعية والسياسية للأرورومو منذ القرون الوسطى وحتى ظهور الدولة الحديثة في إثيوبيا.
فمع بزوغ شمس الربيع وتفتح الزهور وقرب موسم الحصاد والرخاء الاقتصادي، يكون شكر الخالق ذي معنى كبير على النفوس في مجتمع زراعي ورعوي بالدرجة الأولى ، حيث تعتبر الأمطار والمراعي والزراعة عصب الحياة … فوجب شكر الخالق لما انقضى ورحل بالسلامة من زمن الظلمات والاجواء الملبدة بالسحب المليئة بالأمطار الكثيفة والثقيلة … والشكر على بلوغ ضيف قادم من ربيع الزهور وحصاد المحاصيل وعودة النشاط والحركة للحياة بعد تقطع السبل.
وهو ما يجعل من كرنفال إريشا فرصة للنظر بإيجابية مطلقة إلى الماضي المليئ بالآلام، لانه يمهد لقدوم حياة جديدة… وشكر لما هو قادم لأنه يمثل الحياة المليئة بالآمال…
وحسب خبراء ثقافة الأورومو فإن المجتمعين على الأنهر بقبضات الأعشاب يشكرون الخالق على ان نجاتهم من كوارث الأمطار والفيضانات التي تسببها المياه … ويشكرون الخالق ايضا على ان جعل من تلك الأمطار و الانهار والبحيرات سببا في نعمة الحصاد القادم. فالماء بالنسبة لهم يجسد تناقضات الوجود … فهو سبب لحياة كل شئ وهو ايضا قد يكون وراء الهلاك .
وهكذا يمكن القول بأن أمر أهل إريشا كله خير… فهم في تناغم كامل مع الطبيعة والوجود يصبرون على الصعاب ويشكرون على النعم … وينظرون إلى الحياة بإيجابية مطلقة ولسان حالهم يقول أن القادم أفضل وإن بعد العسر يسرا.
إريشا من أجل النهضة
وتم تنظيم احتفالات هذا السنة تحت شعار ” إريشا من أجل النهضة” تيمنا بانجاز و استكمال سد النهضة الإثيوبي العظيم، رغم التحديات التي امتدّت لأربعة عشر عاما.
كما أن إريشا للنهضة أيضا استبشار لما هو قادم من المشاريع تنموية عملاقة تم الإعلان عنها مؤخرا، خاصة تلك التي يتوقع ـن تغير حياة ملايين المزارعين في بلد يعمل 70% من سكانه الذي يزيد عن 120 نسمة في الزراعة.
ووضع رئيس الوزراء آبي أحمد مؤخرا حجر الأساس لمشروع انتاج الأسمدة الزراعية بتكلفة تصل إلى ٣ مليار دولار لانتاج ٣ ملايين طن، مما يضمن إمدادات موثوقة من الأسمدة للمزارعين الذين بواجهات تحديات مزمنة، واعتبر المشروع “خطوة حاسمة نحو السيادة الغذائية”.
من المحلية إلى العالمية
وخلال السنوات الماضية عملت إثيوبيا على تعزيز المضمون الثقافي والفلكلوري لمهرجان إريشا في مسعى حثيث لتجعله وتميزت احتفالات هذه السنة بمشاركة محلية ودولية واسعة حيث شاركت وفود من أحد عشر دولة .
وتزامنت احتفالات إريشا مع أسبوع أوروميا السياحي وهي فعالية سنوية تنظمها هيئة الترويج السياحي في أوروميا منذ ٢٠٢١. وتميزت نسخة هذا العام بمشاركة دولية كبيرة.
وحسب إفادة السيد موسى شيخو نائب مكتب الاتصالات الحكومي في إقليم أورميا، وبعد ان أصبح كرنفال إريشا أحد أهم الفعاليات الثقافية والفلكلورية على المستوى المحلي والإ قليمي، فإن إثيوبيا تعكف حاليا على إعدا ملف دولي متكامل حول كرنفال إريشا لتقديمه لليونيسكو لتسجيله كتراث إنساني غير محسوس للمحافظة عليه وتحويله إلى فعالية سياحية دولية
