حصلت مشاهد متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لانتقال موكب رئيس #تركيا من مطار بولو الدولي إلى القصر الرئاسي على مشاهدات عالية واعجاب كبير على مستوى العالم ، حيث اظهر الجميع انبهاره بمستوى الحداثة التي وصلت اليه العاصمة أديس أبابا.
ومثلت تلك المقاطع صدمة فكرية للكثير من المتابعين إذ طغت على الصورة النمطية عن مدن إفريقيا، حتى اعتبرها البعض انتاجا سينمائيا بالذكاء الاصطناعي .
وللعلم لم تكن تلك المشاهد من الشارع الرئسي للمطار المعرف بطريق بولي ، بل كانت لشارع آخر موازيا له ويعتبر فرعيا او في الدرجة الثانية مقارنة بطريق بولي الأساسي.
عندما نقول أن إثيوبيا تمكنت خلال أقل من خمس سنوات من تحويل مدن عشوائيات وخردة إلى أحدث مدينة من الطراز الأول فلا نبالغ ولا نطبل … فقط ننقل الحقائق من الميدان بحكم المعاينة والمعايشة لإحدى أهم تجارب التحول التنموي.
بدءت أديس أبابا برنامج التنمية التحويلية واعادة الإعمار منذ أكثر من عقدين، ولديها بنية تحتية جيدة وخاصة في الضواحي، ولكن ظلت تعاني من انعدام رؤية تنموية شاملة ومتسقة وتصورا شاملا لمدينة حديثة متكاملة الأركان، مما جعلها نموذجا لمدينة صارخة في التناقضات، فتجد فيها احدث النماذج المعمارية، وبجانبها وفي مقابلها ومن فوقها ومن تحتها أسوء العشوائيات والمخلفات، ما حول تلك النماذج إلى إبرة في كومة قش.
كما انتهت محاولات إعادة تأهيل الطرق والشوارع التي انطلقت منذ اكثر من عقدين إلى خلق اختناقات مرورية أشبه ما تكون مثل عُقَد المعكرونة الإيطالية الطويلة التي إن اردت فك إحداها تقطعت كلها.
ومع تقدم الزمان وازدياد المركبات والكثافة السكانية تحولت الطرق التي صممت لتكون شوارع رئيسية إلى ازقة وممرات ضيقة يتنافس عليها المشاة مع السيارات، والباعة المتجولون مع المتسولين، و الشاربين في الخانات ومخزني القات مع الآكلين في المطاعم و المتسامرين مع المتسامرات في الحانات العشوائية بجانب المصلين في الكنائس والمساجد والطرقات، واختلط الحابل بالنابل حتى أضحت المدينة نموذجا لتناقض صارخ يقود إلى اليأس.
وفي احدى توصيفاته الدقيقة لهذا الوضع قال رئيس الوزراء ” في اثيوبيا نحن لم نبن مدينة بالمعنى الحقيقي ، بل صنعنا قرية كبيرة مليئة بالمباني والطرقات”
وعندما بدءت الخطة الحالية لتنمية المسارات وضفاف أنهر العاصمة قبل خمس سنوات بتشييد حديقة الصداقة التي أقيمت في قلب العاصمة وبتوسعة شارع المطار ( بولي ) بمواصفات عالمية من ممشى خاص للمشاة وآخر للدراجات مع مساحات خضراء وازالة كاملة للعشوائية دون مراعاة الضغوط السياسية والاجتماعية ، اعتقد البعض بما فيهم أنا شخصيا، أننا أمام قصة جديدة من قصص الترقيع الموضعي دون وجود
رؤية شاملة للتحول المدني.
ولكن هذه المرة القصة كانت مختلفة
ففي أقل من خمس سنوات تحولت المدينة، رغم مساحتها الكبيرة وتعقيداتها الجغرافية والاجتماعية والتجاذبات السياسية حولها من مدينة غارقة في التناقضات إلى أحدث مدينة متناسقة متكاملة، حتى اصبحت قبلة العديد من القيادات التنموية والسياسية في إفريقية.
شخصيا وبعد ان قضيت ربع قرن في هذه المدينة بحلوها ومرها، وعايشت رحلتها البطيئة والمعقدة نحو الحداثة لأكثر من عقدين ، وفجأة وفجأة تغيرت أمامي الأمور وبسرعة مذهلة حتى لم أتمكن من متابعة التحول السريع رغم رحلتي اليومية بين مراكز المدينة وضواحيها سعيا في سبيل الحياة.
فهل تصدقون ان قلت انني ضعت في شوارع جديدة، وساحات رياضة في كل زواية ومراكز تسوق ومساحات خضراء وحدائق ومنتزهات ومراكز شحن السيارات الكهربائية ومواقف فوق الارض وتحت الارض، وحمامات عامة بمواصفات عالية وكل هذا حل محل عشوائيات وأزقة كنا نسير فيها
واصبح كل هذا في فترة وجيزة واقعا لم أتنبأ به في أكثر أفلام الذكاء الاصطناعي درامية، فما بالك أن أعيشها حقيقة بادية للعيان.
إنها حقا تجربة مذهلة ولا ينكرها إلا المغفلون أو المغرضون.
هذا التحول لم يأت من فراغ، ولم يتحقق بدون تضحيات أو ثمن … ثمن مالي ضخم و تضحيات اجتماعية دخلت كل بيت وكل شارع … و كلفة اقتصادية كبيرة.
رغم ذلك فالطريق مازال طويلا
فما تم انجازه إلى الان وضع المدينة على اعتاب العواصم الدولية وأحدث ثورة فكرية واجتماعية لدى السكان والإدارات المحلية التي توجه الرؤية النهضوية.
ام العمل الميداني فيبقى الكثير… وقال لي احد خبراء التخطيط العمراني في مكتب عمدة العاصمة أن المساحات المتوفرة بعد عمليات ازالة العشوائيات الحالية والقادمة تحتاج إلى عقود اخرى من اعادة التعمير.
فيا أيها المنبهرون بتلك المقاطع شكرا على تقديركم للنجاح الأفريقي…
وأهلا بكم في أحدث وأكبر تجربة من تجارب الأمم في التنمية السريعة والمستدامة.



