كيف تحول سد النهضة من مشروع وطني إلى أيقونة التكامل الإقليمي في شرق أفريقيا

عبد الشكور عبد الصمد11 سبتمبر 2025Last Update :
كيف تحول سد النهضة من مشروع وطني إلى أيقونة التكامل الإقليمي في شرق أفريقيا

وأنا أتابع حفل افتتاح وتدشين سد النهضة لفت نظري مشاركة رؤساء كينيا والصومال وجيبوتي مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في فعاليات مختلفة وتفاعل أكبر أكثر من بقية الضيوف والحضور، ويظهر تفاعلهم بشكل لافت يعكس الاهتمام والشعور بدوره والفوائد التي تجنيها دولهم وشعوبهم مما يجعل هذا المشروع نواة للتكامل الإقليمي.
فسد النهضة لم يعد مجرد مشروع ضخم لإنتاج الكهرباء، بل تحوّل اليوم إلى رافعة استراتيجية للتكامل الإقليمي بين دول شرق أفريقيا والقرن الأفريقي. فشبكات النقل والتوزيع التي رُبطت منذ سنوات، والربط الكهربائي العابر للحدود الذي دخل مرحلة التشغيل الفعلي، كلها تشكّل شهادة عملية على أن المشروع يتجاوز الجغرافيا الوطنية لإثيوبيا ليصبح جسر تنمية واستقرار مشترك.

من السد إلى الشبكة الوطنية

فمنذ ٢٠١٣ ، عملت اثيوبيا على تنفيذ خط نقل فائق الجهد بتمويل صيني، يربط سد النهضة بمحطة هولتا (Holeta) قرب أديس أبابا بقدرة 500 كيلوفولت، وبطول يزيد ألف كيلومتر،و يربط السد بمحطات محورية مثل Dedessa وSebeta وSululta وAkaki، ما ضمن نقل الطاقة المنتجة من غرب البلاد إلى مراكز الاستهلاك الصناعي والحضري، ويمثل العمود الفقري لشبكة الكهرباء الإثيوبية.
و بهذا، أزيلت أي شكوك بشأن قدرة إثيوبيا على توزيع الطاقة داخليًا وربطها بالاقتصاد الوطني، وبطل الادعاء بأن سد النهضة وهمي لن ينجح في تحقيق أهدافه بتوليد الكهرباء وخدمة الشعب الإثيوبي.

الربط مع كينيا … قصة نجاح مبكرة

اكتمل خط الربط الكهربائي بين إثيوبيا وكينيا بجهد عال بقدرة ٥٠٠ كيلوفولت، ودخل الخدمة عام ٢٠٢، ويمتد لمسافة 1,045 كيلومترًا من مدينة Sodo جنوب إثيوبيا إلى محطة سوسوا Suswa في كينيا، ومنذ يناير 2024، بدأت كينيا فعليًا استيراد الكهرباء الإثيوبية.
وبحلول منتصف ٢٠٢٤، وشكّلت الكهرباء القادمة من إثيوبيا نحو ١٢% من إجمالي الكهرباء الموزعة على الشبكة الكينية.
ونتيجة لذلك، طلبت كينيا زيادة الإمدادات لمواجهة الطلب المتنامي على الطاقة، خاصة مع توسع الصناعات وخطط كهربة النقل العام.

من كينيا إلى تنزانيا

وابتداءا من ديسمبر ٢٠٢٤ بدأت مرحلة جديدة
من التكامل باكتمال الربط بين كينيا وتنزانيا بخط علي الحمولة بقدرة ٤٠٠ فولت يمتد من إيسنيا Isinya الكينية إلى أروشا Arusha التنزانية حيث بدأت تنزانيا استيراد الكهرباء الإثيوبية عبر كينيا، مطلع ٢٠٢٥ بكمية أولية بلغت ١٠٠ ميغاوات. وبعد مرحلة تجريبية لاحقة ارتفع الضخ إلى ٢٦٢ ميغاوات مع اتفاق لزيادة الاستيراد إلى ٢٠٠ ميغاواط خلال ثلاث سنوات.
هذه الخطوة التاريخية جعلت تنزانيا ثالث دولة بعد كينيا والسودان تستفيد مباشرة من كهرباء سد النهضة.

من التوتر إلى التكامل

لطالما حاولت مصر ارتبط اسم سد النهضة بالجدل السياسي والخلافالإقليمية، إلا أن اكتمال شبكات التوصيل وبدء التصدير الفعلي يُغيّر المعادلة.
فإثيوبيا تزود السودان بنحو ٣٠٠ ميغاوات، وطلبت الخرطوم زيادتها لتلبية احتياجاتها للكهرباء كما تحصل جيبوتي ٨٠ ٪؜ من احتياجات من الكهرباء حتى قبل افتتاح سد النهضة.

وفي المرحلة القادمة تتجه نحو ربط جنوب السودان والصومال، ما سيُكمل شبكة طاقة إقليمية قادرة على دفع حلم شرق أفريقيا الموحّدة.
وعليه فإن الواقع الجديد يؤكد أن السد لم يعد ساحة للتوتر، بل أداة لخلق اعتماد متبادل يرسخ الاستقرار.
وهو ما اكد عليه قادة القرن الأفريقي الذين شاركوا في افتتاح السد، بل واكدت كلماتهم على أن التعاون في الطاقة يمكن أن يكون نواة للتكامل الاقليمي.

وفي الختام

نقول إن مشاركة قادة القرن الأفريقي في افتتاح سد النهضة لم يكن مجرد مشاركة بروتوكولية، بل هو بمثابة إعلان عن مرحلة جديدة، مرحلة تتحول فيها مشاريع البنية التحتية العملاقة من رموز للتنافس إلى قواعد للتكامل.
وهكذا تحول سد النهضة من مشروع لانتاج الطاقة الوطنية للاحتياجات الوطنية إلى أيقونة تنموية و جسرًا كهربائيًا يربط شعوب المنطقة، ويضع الأساس لحلم التكامل الاقتصادي والتنموي وتحويل القرن الأفريقي وشرق افريقيا من بؤرة صراعات ونزاع إلى واحة تعاون وازدهار مشترك، ولا عجب في ذلك، فالاتحاد الأوروبي الذي كان أساسه إنشاء المجموعة الأوروبية للفحم والصلب، وهي تجمّع من الدول الأوروبية كان هدفه إيجاد سوق مشتركة لمنتجات الفحم والصلب.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept