صدر البيان المصري المتزامن مع زيارة البرهان للقاهرة والتقائه بالسيسي في 18 ديسمبر 2025 في لحظة إقليمية شديدة السيولة، تتقاطع فيها التحركات العسكرية داخل السودان وإعادة تموضع سياسي إقليمي واسع، جعل من السودان ساحة اختبار مباشرة لمعادلات الأمن القومي في وادي النيل والبحر الأحمر معاً.
فالحرب المتواصلة في السودان منذ 15 أبريل 2023 لم تعد صراعا داخليا بين جيش وقوة متمردة، بل تحولت تدريجيا لأزمة بنيوية تهدد كيان الدولة السودانية، وتفتح الباب أمام سيناريوهات التقسيم، أو التفكك الوظيفي، أو تحويل السودان لمجال نفوذ متنازع عليه بين قوى إقليمية ودولية، بأدوات محلية.
مصر والسودان وإريتريا
وفي السياق اكتسبت التحركات المتزامنة لكل من رئيس إريتريا إسياس أفورقي ورئيس مجلس سيادة السودان عبد الفتاح البرهان دلالات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، لتكشف ربما عن استشعار لحجم التحديات.
فزيارات أفورقي لبورتسودان و الرياض، ثم انتقال البرهان بين الرياض والقاهرة، تعكس إدراكا متزايدا لدى الفاعلين الإقليميين بأن ميزان القوى داخل السودان وحوله يتغير على نحو سريع وخطير، مع الإدراك بأن أي اختلال حاسم قد يعيد رسم الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة بأكملها.
وإذ تتحدث تقارير متعددة عن تمدد قوات الدعم السريع في غرب وجنوب السودان، وسيطرتها أو محاولتها السيطرة على عقد استراتيجية عسكرية واقتصادية كالفاشر وبابنوسة وهيجليج، فإن المخاوف المصرية لم تعد محصورة بالتداعيات الأمنية الهامشية، بل باتت مرتبطة مباشرة بجوهر الدولة السودانية ووظيفتها الجيوسياسية، وبدورها للأمن القومي الممتد لمصر.
بيان مصري متوتر
بيان مصر بلهجته غير المسبوقة، يعكس انتقال القاهرة من موقع المتابع القلق لموقع المعلن عن حدود قصوى لا يمكن تجاوزه عبر تأكيد صريح على وحدة السودان وسلامة أراضيه.
إن هذا البيان إدراك استراتيجي عميق بأن أي تفكك للسودان بإعلان حكومة موازية، أو تكريس سلطة الأمر الواقع سيخلق فراغا أمنيا على طول حدود مصر الجنوبية، ويفتح المجال أمام شبكات تهريب السلاح والبشر، ويزيد من هشاشة إقليم حوض النيل في لحظة تعاني فيها القاهرة أصلاً من تحديات مائية وأمنية معقدة.
كما أن رفض مصر الاعتراف بأي كيان مواز للدولة السودانية يحمل رسائل متعددة. أولها موجهة لقوات الدعم السريع وحلفائها بأن محاولة شرعنة السيطرة العسكرية عبر بناء هياكل سياسية بديلة لن تجد قبولا إقليميا لدى دولة محورية مثل مصر.
أما الثانية فموجهة إلى أطراف إقليمية ودولية ترى في تفكك السودان فرصة لإعادة توزيع النفوذ أو الوصول إلى موارده، بأن القاهرة تعتبره مسارا يمس مباشرا بأمنها القوميات أكثر منه شأنا سودانيا داخليا يتم التعامل معه بصبر وتكتيك.
الدفاع عن الدولة السودانية وعلى رأسها الجيش، يشكل حجر الزاوية للرؤية المصرية التي تنظر له رغم كل مشاكله الداخلية، بوصفه الإطار المؤسسي القادر على حفظ الحد الأدنى من تماسك الدولة.
انهيار هذا الإطار أو تحييده لصالح قوى شبه عسكرية، يعني انتقال السودان لنموذج الدولة الميليشياوية، وهو نموذج أثبتت تجارب ليبيا والعراق والصومال، أنه يولد أزمات مزمنة عابرة للحدود، ولا يمكن احتواؤه بسهولة.
كما لا يمكن فصل هذا الموقف عن الخلفية التاريخية للعلاقات المصرية السودانية، وعن اتفاقات الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين، والتي تمنح القاهرة سندا قانونيا وسياسيا للتحرك إذا رأت أن التهديد بلغ مستوى لا يمكن تجاهله.
وحديث مصر باستخدام كافة التدابير لا يعني بالضرورة قرارا وشيكا بالتدخل العسكري، لكنه قد يستخدم بهدف الردع، وإبلاغ جميع الأطراف، وربما حتى في الرباعية بأن كلفة الذهاب نحو تقسيم السودان أو تقويض دولته ستكون أعلى بكثير مما يتصورون.
توقيت البيان المصري
حول صدور البيان المصري بعد 34 شهرا من بداية الحرب هل هو حرص على السودان وخوف عليه، أم هو انعكاس وإدراك لخروج خيوط اللعبة من الهامش الذي يمكنها التحكم فيه، أم هي مقتضيات التوافق مع أطراف الرباعية المبنية للملف السوداني، أم هو في إطار الاختلاف المتحكم فيه داخل الرباعية.
هذه الأسئلة وغيرها مترافقا مع صدور البيان بعد زيارة البرهان للرياض ثم القاهرة بهذه الحدة يدفعنا للتساؤل هل من باب تكرار تجربة إحلال السلام في غزة؟ أم بهدف السعي لمزيد من خلط الأوراق حتى تستعصي على الحل لأطول فترة ممكنة.
في المحصلة يمكن استنتاج أن البيان المصري يمثل لحظة إدراك بأن الحرب في السودان دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها المعادلات الداخلية كافية لتفسير مسار الأحداث. فالتداخل بين الجغرافيا، والنفط، وممرات التصدير، والبحر الأحمر، وحوض النيل، جعل من السودان عقدة أمن قومي إقليمي بامتياز.
ومن هنا، فإن القاهرة لا تدافع فقط عن جار جنوبي، بل تدافع عن توازن استراتيجي ترى أن انهياره سيعيد تشكيل بيئتها الأمنية لعقود قادمة. هذا ما يمنح البيان ثقله الحقيقي، ويجعل منه ليس مجرد موقف سياسي عابر، بقدر ما هو إعلان عن قواعد اشتباك إقليمية جديدة في التعامل مع الأزمة السودانية.
