في مقابلته الشهير مؤخرا باللغة التيغرية، وهي اللغة المشتركة بين اقليم تيغراي الاثيوبي في شمال البلاد وفي ارتريا أشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى مفارقة مأساوية في مسار العلاقات بين اثيوبيا واريتريا؛ حيث أكد أن الصناعة والبنية التحتية في إريتريا كانت متطورة ومتقدمة بشكل أفضل قبل انفصالها عن إثيوبيا، موضحاً أن قرار الانفصال والقطيعة اللاحقة والتحول إلى مركز لمعادات إثيوبيا لم يقدّما للإريتريين الرخاء الاقتصادي أو الثمار التنموية التي سعوا إليها ونجم عنها تجميد لمقدرات إستراتيجية هائلة.
وتقف مصفاة عصب كأحد أبرز الأمثلة الحية على هذا الهدر الإستراتيجي؛ إذ أُنشئت هذه المصفاة المتكاملة في وقتٍ مبكر جداً من ستينيات القرن الماضي، وهو زمن لم تكن تمتلك فيه حتى الدول الكبرى المنتجة للبترول في منطقة الخليج العربي مصافي تكرير متطورة بهذا الحجم والسعة، مما جعلها معجزة صناعية في القرن الأفريقي، قبل أن تتحول لاحقاً من شريان حياة يغذي العمق الإثيوبي إلى هيكل مهجور يسكنه الخراب نتيجة الحسابات السياسية الضيقة.
التأسيس والنشأة: رؤية الإمبراطور هيلا سيلاسي
في أوائل الستينيات، بادر الإمبراطور هيلا سيلاسي الأول بوضع حجر الأساس لأول مصفاة نفط وطنية في مدينة عصب الساحلية، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من المشتقات المكررة وتأمين سيادة الطاقة لبلاده
و بدأت أعمال الإنشاءات عام 1964 وافتُتحت رسميًا في أكتوبر 1967. تم بناء المصفاة بالتعاون الوثيق مع الاتحاد السوفيتي الذي قدم قروضاً وتسهيلات فنية وخبراء لإتمام المشروع الذي بلغت تكلفته حينها قرابة 55 دولار.
و صُممت المصفاة في مرحلتها الأولى لتكرير 500,000 طن سنوياً من النفط الخام. وفي عام 1966
وكان استهلاك إثيوبيا بأكملها لا يتجاوز 300,000 طن، مما يعني أن المصفاة كانت تغطي وتفيض عن حاجة السوق الإثيوبي وتضمن استقلاله الطاقي الكامل لسنوات طويلة.
عهد “الدرغ”: التطوير والتحديث بتمويل عربي
بعد سقوط الإمبراطورية وصعود المجلس العسكري المؤقت (الدرغ)، حظيت المصفاة بأهمية إستراتيجية مضاعفة نظراً للاعتماد الكثيف عليها لتسيير الآلة العسكرية والاقتصادية؛ حيث كان يمر عبر ميناء عصب ومصفاته ما بين 70% إلى 80% من تجارة البلاد.
عهد “الدرغ”: التطوير والتحديث بتمويل عربي
بعد سقوط الإمبراطورية وصعود المجلس العسكري المؤقت (الدرغ)، حظيت المصفاة بأهمية إستراتيجية مضاعفة نظراً للاعتماد الكثيف عليها لتسيير الآلة العسكرية والاقتصادية؛ حيث كان يمر عبر ميناء عصب ومصفاته ما بين 70% إلى 80% من تجارة البلاد.
التوسعة الإستراتيجية:
وعمل نظام الدرغ على ترقية منشآت المصفاة وتطوير أجهزتها لرفع طاقتها الإنتاجية من 500,000 طن إلى 800,000 طن متري سنوياً (ما يعادل قرابة 14,500 إلى 18,000 برميل يومياً).
وتضمنت هذه هذه التوسعة مع مساعٍ لتحديث البنية التحتية للميناء والمصفاة وخطوط النقل البري التي تربط الميناء بالعاصمة أديس أبابا عبر حشد تمويلات دولية وعربية، من بينها مساهمات وصناديق تنمية دعمت البنية التحتية اللوجستية وتطوير منشآت المصفاة النفطية لضمان استقرار تدفقات الطاقة.
الانفصال و التكلفة الباهظة والجمود الاقتصادي
عقب سقوط نظام الدرغ في مايو 1991 وانفصال إريتريا الرسمي عام 1993، دخلت المصفاة فصلاً مأساويا، إذ تحولت ملكيتها بالكامل إلى السلطات الإريترية بموجب واقع الانفصال.
غير أن الطرفين وقعا اتفاقية مؤقتة تقضي بأن تقوم إثيوبيا بشراء النفط الخام وتكريره في عصب مقابل اقتطاع إريتريا نسبة تصل إلى 20% من المنتجات المكررة كرسوم تشغيل واستخدام للمنشأة. هذه الترتيبات أدت سريعاً إلى نهاية المصفاة بسبب عدة عوامل:
- العبء المالي على إثيوبيا: اعتبرت أديس أبابا أن نسبة الـ 20% المقتطعة تجعل تشغيل المصفاة مكلفاً للغاية وغير مجدٍ اقتصادياً مقارنة بالاستيراد المباشر للوقود المكرر من الأسواق العالمية.
- التقادم التكنولوجي: أصبحت المصفاة قديمة ومتهالكة وبحاجة لصيانة ضخمة لم تكن أسمرة قادرة على توفيرها أو راغبة في تيسير شروطها وتقديم تنازلات لإثيوبيا لتشجيعها على الاستمرار.
- التوقف التام (1997): في أغسطس 1997، اتخذت إثيوبيا قراراً نهائياً بوقف استخدام مصفاة عصب والتحول الكامل لاستيراد المنتجات النفطية الجاهزة عبر ميناء جيبوتي.
- اندلاع الحرب (1998): مع اندلاع الحرب الإثيوبية الإريترية في مايو 1998، أُغلقت الحدود تماماً وتوقفت الأنشطة الاقتصادية. ونظراً لأن المصفاة تعتمد بنسبة 100% على السوق الإثيوبي لاستيعاب إنتاجها، فقد بات تشغيلها مستحيلاً بالنسبة لإريتريا ذات السوق المحلى المحدود.
وهكذا انتهى المطاف بالمصفاة إلى الإغلاق الكامل والخراب، وتحولت المنشأة الصناعية التي كلف إنشاؤها وتطويرها عشرات ملايين الدولارات إلى أطلال متهالكة نتيجة الصراع السياسي والجمود الاقتصادي الذي حرم إريتريا من استغلال عوائدها، وجعل إثيوبيا دولة حبيسة تبحث عن منافذ بديلة للطاقة.
