نيلوتيك بوست

مواجهات الشمال الإثيوبي: قراءة في المواقف الدولية

alt=

في مشهد يهدد بنسف اتفاق بريتوريا للسلام الذي أُبرم عام 2022 بعد حرب دامية استمرت سنتين، اعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي في 23 من سبتمبر بسط سيطرتها على المطارات المدنية في الإقليم والدخول في مواجهة مفتوحة مع الحكومة المركزية.

ردود الفعل الدولية على هذه التطورات لم تتأخر كثيرا، واللافت هنا أن المجتمع الدولي والإقليمي لم يكتفِ بالدعوة المعتادة إلى ضبط النفس فحسب، بل تجد فيها ما يمكن تصنيف المواقف الدولية إلى ثلاث مسارات متكاملة هي: سياسي حمل الجبهة مسؤولية مباشرة عن خرق التهدئة، وآخر إنساني – قانوني ركز على حماية المدنيين، وثالث إقليمي – أخوي شدد على وحدة إثيوبيا واستقرارها. ورغم ان هذه المسارات خاطبت الأزمة من زوايا مختلفة إلا أن جمعها تصب في اتجاه محاولة عزل خيار الحرب والتشديد على ضروروة الحفاظ على الاستقرار والأمن في إثيوبيا والقرن الإفريقي.

الاتحاد الافريقي والتمسك بوساطة أوباسانجو

قبل اندلاع الاشتباكات الأخيرة اصطدمت جهود الوساطة الإفريقية بقيادة الرئيس النيجيري الأسبق أوباسانج، وهو أحد مهندسي اتفاق بريتوريا، برفض جبهة تحرير تيغراي التعامل معه، والتي وصفت وساطته بأنها تفتقر إلى الحياد، وهي خطوة قرأها كثير من المراقبين بأنها تهرب من استحقاقات السلام لا كموقف مبدئي يعبر عن ملاحظة جوهرية على ممثل الاتحاد الإفريقي، وتعبير عن ارتهان الجبهة إلى جهات اقليميا ترى في التصعيد ضرورة وجودية لخدمة أجنداتها.

وتماشيا مع وضعه كوسط حافظ الاتحاد الإفريقي على غطاء دبلوماسي عام في تعليقه بعد اندلاع المواجهات فدعا الجميع لضبط النفس، مع تمسكه بوساطة أوباسانجو الذيرفضته الجبهة، وهو تحميل غير مباشر للمسولية عن التصعيد والسعي للحرب.

المسار السياسي: تحميل مباشر للمسؤولية

الموقف الأمريكي من التصعيد الحالي لم يكن يكن متأخرا، بل جاء فور اعلان جبهة تيغراي سيطرتها على المؤسسات الفيدرالية، ولم يكتفِ السفير الأمريكي لدى إثيوبيا السيد إيرفول ماسينغا بالدعوة إلى الحوار، بل وصف، في لغة قوية غير معتادة، رفض الجبهة للمسار الذي يرعاه الاتحاد الأفريقي بأنه انخراط في معركة لا يمكن كسبها، محذرا من عقوبات إضافية على المزيد من قادتها، إضافة إلى عقوبات أمريكية سبق فرضها على البعض منهم.

وجاء الموقف الخليجي الذي عبر عنه البيان الإماراتي القطري أكثر صراحة، إذ أدانت أبوظبي  ومثلها الدوحة التصعيد العسكري ضد القوات الفيدرالية الإثيوبية، واعتبرتهما تهديدا خطيرا لوحدة وسيادةالدولة.

وجاء الموقف الروسي أكثر وضوحا في التحذير من تدخل الأطراف الخارجية في الشؤون الداخلية لإثيوبيا، مما يعبر عن ادراك تام من قبل الفاعلين الدوليين بواقعية الاتهامات الاثيوبية لأطراف إقليمة بتشجيع التمرد المسلح، وخطورة ذلك على الأمن الإقليمي.

المسار الإنساني والقلق الفرنسي والأوروبي

الموقف الفرنسي والأوروبي اتخذ نبرة مغايرة عن الخط الأمريكي، ومعبرا عن التقليد الأوروبي في النزاعات، والتي تركز على القانون الدولي الإنساني بدل تسمية الطرف المسؤول سياسيا، مع دعوات لفتح ممرات آمنة للمساعدات وحماية المدنيين بصرف النظر عن الطرف المسيطر ميدانيا. وهذا لا يعني تراخيا، بل انعكاس لدور أوروبا كأحد أكبر ممولي المساعدات الإنسانية في المنطقة، تاركة مهمة تحديد المسؤولية السياسية لواشنطن والأطراف الإقليمية والاتحاد الأفريقي.

المسار الإقليمي – الأخوي جيبوتي وتضامن الجوار المباشر

أضافت جيبوتي، وهي الشريك الأهم لإثيوبيا في التكامل الاقتصادي والمنفذ البحري الحيوي، بعدا ثالثا بالغ الأهمية والدلالة. فقد أعربت جمهورية جيبوتي في بيان رسمي عن قلقها إزاء تطورات الأوضاع، داعية إلى خفض التصعيد وتسوية الخلافات عبر الحوار، ومحذرة من تداعيات تجدد النزاع على السكان ومسيرة التنمية والتكامل الاقتصادي الإقليمي، في إشارة مباشرة إلى الشراكة اللوجستية والاقتصادية التي تربط جيبوتي بالاقتصاد الإثيوبي غير الساحلي، والتي يهددها أي اضطراب أمني ممتد.

والأهم أن جيبوتي لم تكتفِ بلغة القلق المحايدة، بل أعلنت عن تضامنها مع إثيوبيا وشعبها وتطلعات المشروعة اتحقيق سلام دائم وتماسك وطني راسخ، وهي صياغة تتجاوز الحياد الدبلوماسي المعتاد إلى دعم صريح لوحدة الدولة الإثيوبية وشرعية مؤسساتها، مما يعكس حسابات الجوار الجيوستراتيجي. فاستقرار إثيوبيا شرط مباشر لأمن جيبوتي نفسها واستمرار ازدهارها كممر تجاري إقليمي.

إثيوبيا والتمسك الاستراتيجي بخيار السلام

ورغم عدم صدور تعليق رسمي سياسي على التصعيد في الشمال، يصر الخطاب الإعلامي في أديس أبابا على التمسك باتفاقية بريتوريا، وربط استقرار الداخلي بالأجندة التنموية، وتفادي خيار الدخول في حرب شاملة تستنزف الموارد ا التي تحتاجها الدولة لتعزيز مسيرتها نحو النهضة الاقتصادية، واعطاء الأولوية لبناء شراكات إقليمية فاعلة، ومعالجة الملفات العالقة يجب أن تمر عبر القانون والحوار الوطني، لا عبر الأمر الواقع الذي تفرضه جبهة رفضت الوسيط الدولي نفسه الذي صنع السلام قبل أربع سنوات.

وتكشف تقاطع ردود الأفعال الدولية أن تشكل رأي عام دولي متقارب حول قناعة واحدة  خلاصتها أن استمرار التصعيد مسؤولية طرف اختار المواجهة على حساب مسار سلمي كان لا يزال متاحا، وأن استقرار إثيوبيا ليس شأنا داخليا بحتا، بل ركيزة لأمن القرن الأفريقي بأكمله وتكامله الاقتصادي، ومهم عالميا ببعده الاقتصادي والأمني.

Exit mobile version