نيلوتيك بوست

هل يصمد اتفاق واشطن بين رواندا والكونغو أمام التحديات الميدانية والسياسية

alt=

شهدت العاصمة الأميركية واشنطن محطة دبلوماسية وصفت بأنها الأكثر تأثيرا في مسار الصراع الدائر في شرق الكونغو منذ عقدين، وذلك بعد توقيع اتفاق سلام بين رواندا والكونغو الديمقراطية بوساطة أميركية وقطرية. اتفاق واشنطن، يأتي في لحظةٍ إقليمية شديدة التعقيد، وبعد سنوات من الاتهامات المتبادلة حول دعم جماعات مسلحة، وتفاقم نزوح داخلي، وانهيار المجتمعات المحلية في مدن وقرى شرق الكونغو.

الصراع بين الطرفين لم يكن مجرد خلاف حدودي أو تراشق عابر. بل يرتبط بملفات عميقة تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي، والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالمعادن الحيوية مثل الكوبالت والليثيوم، إلى جانب إرث تاريخي من الإرث الاستعماري المتسبب في تعزيز عدم الثقة، وتراكمات سياسية وأمنية تعود إلى ما بعد الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. 

قراءة في ثنايا الاتفاق

الاتفاق نفسه يحمل صياغة مطولة تؤكد وقفا دائما لإطلاق النار بين الجيش الكونغولي والجماعات المسلحة، مع التزام رواندا بوقف تقديم أي دعم للحركة المتمردة المعروفة بM23 وسحب قواتها غير المعلنة من شرق الكونغو خلال مهلة لا تتجاوز تسعين يومًا.

كما تضمن تعهدا بإعادة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم، ووضع آليات عدالة ومساءلة بحق من ارتكب انتهاكات واسعة خلال السنوات الماضية.

يضاف إلى ذلك  حزمة اقتصادية واسعة ترتبط بإعادة هيكلة قطاع الموارد الطبيعية في الكونغو وراوندا ضمن إطار استثماري مفتوح أمام الشراكات الأميركية والغربية، ما يضع الاتفاق في سياق مزدوج يجمع الأمن بالاقتصاد، ويجعل السلام ـ في حال تحققه ـ ممرا إلزاميا للاستفادة من هذه الموارد.

كما تضمن الاتفاق جدول زمني يوضح تسلسل الخطوات المفترض تنفيذها، بدءا من وقف إطلاق النار، مرورا بعملية نزع السلاح، وصولا إلى برامج الإعمار والمصالحة. وتبرز كذلك قائمة مسؤوليات تتوزع فيها الالتزامات بين حكومتي رواندا والكونغو، والولايات المتحدة باعتبارها الضامن الرئيسي، إضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي اللذين يلعبان دورا محوريا في الرقابة وتدقيق الخروقات.

وفي إطار المرفقات التي تساعد على فهم المشهد، يمكن تصور خريطة ميدانية تُظهر مناطق انتشار الجماعات المسلحة في شمال كيفو وجنوب كيفو، وخطوط السيطرة الحالية، ومسارات النزوح التي تجاوزت خلال عام واحد ملايين المدنيين المتأثرين بالصراع.

اتفاق في مواجهة واقع ميداني وسياسي معقد

المؤشرات المقترحة لمتابعة تنفيذ الاتفاق قد تشمل معدلات الخروقات الأمنية المسجلة أسبوعيا، وعدد العائدين إلى مناطقهم، وحجم العمليات الإنسانية، وعدد المدارس والمراكز الصحية التي أعيد تشغيلها، وحجم الاستثمارات الجديدة في قطاع المعادن، ومدى التزام الشركات بالمعايير البيئية والحقوقية، إلى جانب مؤشرات العدالة الانتقالية المتعلقة بالتحقيقات والمحاكمات وتعويض الضحايا.

رغم ذلك فإن الاتفاق يواجه واقعا ميدانيا شديد التعقيد، إذ تنتشر في شرق الكونغو عشرات الفصائل المسلحة التي لا ترتبط مباشرة برواندا أو الحكومة الكونغولية. بعض هذه الفصائل قائم على ولاءات محلية وقبلية، وبعضها يرتبط بدول مجاورة أو شبكات تهريب عابرة للحدود، ما يجعل تفكيكها أو السيطرة عليها أمرا بالغ الصعوبة.

بالإضافة إلى ذلك، تفتقر الجماعات المدنية المحلية إلى أي ضمانات عملية بأن عودتها ستكون آمنة، خاصة في مناطق شهدت موجات عنف مستمرة طوال سنوات، وتغيرت فيها خرائط السيطرة أكثر من مرة، الأمر الذي يعقد المشهد، ويعطي للجانب الإنساني بعدا يصعب تجاوزه، وفي نفس الوقع يكاد يكون مستحيلا تطبيقه في هذه الظروف المركبة.

الجانب الأكثر حساسية في الاتفاق يتعلق بملف العدالة والمحاسبة. فالاتهامات المتبادلة تشمل تهجيرا قسريا، واستخداما مفرطا للقوة، وتجنيد الأطفال، وانتهاكات جسيمة لحقوق السكان المدنيين. ومن دون آليات عدالة شفافة تسهم في محاسبة أطراف نافذة، يخشى أن تتحول بنود الاتفاق المتعلقة بالمساءلة إلى مجرد صياغات دبلوماسية بلا أثر فعلي مطبق على الأرض.

وفي السياق نفسه، تواجه الحكومة الكونغولية ضغطا داخليا متصاعدا من الرأي العام، الذي يرى في الاتفاق تنازلات كبيرة لصالح رواندا، وهو ما رأيناه في مواقف الرئيس الكونغولي بينما تطالب كينشاسا المجتمع الدولي بدور أقوى في مراقبة الانسحاب ونزع السلاح.

سياق مزدوج يجمع الأمن بالاقتصاد

إن التوقيع على هذا الاتفاق لا يقرأ بمعزل عن موازين القوى الإقليمية والدولية، ولا عن تحولات الأسواق العالمية التي باتت تنظر إلى شرق الكونغو بوصفه أحد أهم مصادر المعادن الاستراتيجية التي تغذي الصناعات المستقبلية، من السيارات الكهربائية إلى تقنيات الطاقة المتجددة، والعديد من مجالات التقنية الحديثة.

ويحمل الجانب الاقتصادي للاتفاق أبعادا حاسمة، خصوصا أنه ينص على إنشاء إطار جديد لإدارة الموارد المعدنية في شرق الكونغو بطريقة تكفل تدفقات مالية مستقرة للدولة، وتتيح للشركات الغربية الوصول إلى المعادن الحيوية التي أصبحت محورا للصناعات المستقبلية.

هذا التحول يثير تساؤلات حول مدى قدرة المجتمعات المحلية على الاستفادة الفعلية من هذه الفرص والموارد، خاصة أن تاريخ استخراج المعادن في الكونغو ارتبط غالبا بهيمنة شركات أجنبية، وفساد سياسي، وتهميش مجتمعات تعيش فوق ثروات لا تجني منها سوى التلوث والفقروالاستغلال الممنهج.

في المقابل يعول الوسط الدولي على النفوذ الأميركي في دفع الطرفين إلى الالتزام. فاحتضان واشنطن للتوقيع لم يكن خطوة رمزية، بل يعكس رغبة واضحة في بناء شراكات طويلة الأمد تؤمن إمدادات المعادن الاستراتيجية، وتقلل اعتماد الصناعة الأميركية على السوق الصينية. هذا البعديمنح الاتفاق ثقلا سياسيا واقتصاديا قد يصعب على أحد الطرفين التراجع عنه بسهولة.

ومن بين العوامل التي قد تمنح الاتفاق فرصة للنجاح أن المجتمعات المحلية نفسها ـ بعد سنوات من النزوح والقتل والجوع ـ تبدو أكثر تقبلا لأي مبادرة تحمل وعدا بتخفيف العنف وفتح أبواب إعادة البناء. لكن هذه المجتمعات تحتاج ما يتجاوز الشعارات، فهي تطالب بعودة آمنة، ومؤسسات دولة فعالة، وفرص عمل، وتعويضات للضحايا. فإذا لم تتجلهذه الوعود في شكل ملموس وعملي، سيفقد الاتفاق شرعيته الشعبية سريعا.

وخلاصة المشهد أن اتفاق واشنطن ليس مجرد وثيقة سياسية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الأطراف المعنية على ترجمة الوعود إلى واقع. وإذا نجح في خلق بيئة أمنية مستقرة، وفي فتح مسار اقتصادي عادل، وحقق حدا أدنى من العدالة للضحايا، فقد يشكل نقطة تحول في تاريخ شرق الكونغو. أما إذا بقي حبيس الورق، فإنه سيصبح مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاتفاقات التي وُقعت عبر السنوات ثم تبعثرت تحت وطأة السلاح والمصالح المتضاربة كما حصل في 2002 في واشنطن. وفي هذه الحالة، سيظل المدنيون هم الخاسر الأكبر، وسيظل شرق الكونغو ساحة مفتوحة أمام موجات وحالة جديدة من عدم الاستقرار.

Exit mobile version