يمر الصومال اليوم بمنعطف تاريخي تتجاوز أبعاده مجرد ترتيبات الحكم الداخلي؛ حيث تخوض مقديشو معركة إعادة السيادة للمركز عبر اتخاذ سياسات شاملة هدفها إنهاء عهد الإقطاعيات السياسية ونفوذ أمراء الحرب في الأقاليم.
والتحركات الأخيرة التي شملت إخضاع إقليم الجنوب الغربي وعاصمته بيدوا، والضغط القانوني والسياسي الممارس على بونتلاند وربما القيام بعمل مماثل لما تم في جوبالاند، وبوادر تكرار المحاولة لإخضاع إقليم جوبالاند رغم التجربة الفاشلة في المرة السابقة، كلها خطوات لا تيمكن أن تقرأ كصراع على السلطة فحسب، بقدر ما هي ركيزة في مشروع استراتيجي كببر يهدف لتحويل الصومال من ساحة للصراعات بالوكالة إلى شريك مركزي فاعل في كتلة إقليمية صلبة.
هندسة المركز وقطع الطريق على التفتيت
تظهر سياسات مقديشو وتحركاتها في فرض سيطرة المركز عبر شواهد قطعية، أبرزها التعديلات الدستورية التاريخية التي أقرت في مارس 2026، ونقل البلاد نحو نظام رئاسي ينتج عنه تقليص قدرات الأقاليم على عرقلة القرار الوطني. هذا التوجه الجاري تنفيذه تسانده رؤية ترى أن تشتيت القوى بين المركز والأطراف كان الثغرة التي نفذت منها الأجندات الدولية الراغبة في إبقاء المنطقة رهينة لعدم الاستقرار، وفرصة لأيادي انتهازية استغلت موارد البلاد على حساب الدولة الوطنية التي تحمي المجتمع وموارده ومكانته.
إن خطوات إخضاع الأقاليم لسلطة المركز يغلق منافذ التدخل الخارجي التي كانت تستخدم القادة المحليين لضرب وحدة القرار السيادي، وتعزز تشتيت قدرات وجهود المركز، ويعظم هامش مناورة أمراء الحرب وشراكاوهم المحليين والإقليميين لمصلحة قوى التسلق والاستغلال. وأذرع ذلك هي شركات ومؤسسات عابرة للحدود بدون قيود أو عقود ولا ضوابط تراعي سيادة الدولة وحماية المصالح العليا اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.
إثيوبيا والدعم الصامت
خلافا للقراءات النمطية المتداولة، تبرز إثيوبيا اليوم كداعم استراتيجي وغير معلن لهذا التغيير الجذري. تطبق أديس أبابا هذه الاستراتيجية من قناعة خلاصتها أن استقرارها القومي مرتبط عضويا بوجود دولة حقيقية في كل جوارها، وخاصة في مقديشو. فتنفيذ مشروعها في التكامل الإقليمي، والتعاون الأمني في مكافحة الإرهاب، والرغبة في تأمين ممرات تجارية مستقرة نحو البحر الأحمر، وغيرها من الأمور تفرض على إثيوبيا دعم دولة مركزية قوية قادرة على إنفاذ القانون وحماية الحدود، وتنفيذ الاتفاقات.
هذا التحالف القائم على هذه الرؤية الاستراتيجية، والتي تم النص عليها في عقيدة سياسات الخارجية الإثيوبية بإعطاء الأولوية لمصالح دول الجوار، وبالتحديد في دولة مهمة لإثيوبيا مثل الصومال يقطع الطريق على القوى التي عملت لسنوات بل وعقود على تفتيت الشعوب لإبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم، وخطوة مفصلية في توقيت مهم ودقيق يساعد على إصلاح الخلل ومعالجة الأزمات من جذورها.
تأثير هذه السياسات على المدى المتوسط والطويل
إن نجاح هذا التحول سيخلق ارتدادات ونتائج إيجابية عميقة في الإقليم على كافة الأصعدة، ولعله يمكن أن نوجز أبرزها على النحو التالي:
في الصومال القادم يعتبر وجود جيش مركزي قوي وموحد ومدعوم بعمق استراتيجي إثيوبي يمكن للانتقال من وضعية الدفاع إلى تطهير شامل للمنطقة من التنظيمات المتطرفة، والقوى الانتهازية الطفيلية المتسلقة، مما يحول القرن الأفريقي إلى دول متعافية وقادرة على حماية مصالحها ودولها، وحصن إقليمي يحمي الممرات الملاحية الدولية.
سيؤدي التكامل بين الموانئ الصومالية المؤمنة والمسيطر عليها من دولة حقيقية وفاعلة، والنهضة الصناعية والزراعية الإثيوبية إلى خلق سوق عملاق، ويجذب استثمارات دولية كبرى في قطاعات الطاقة والنفط والثروة الحيوانية والسمكية، ومعروف أن رؤس الأموال تنجذب دائما نحو الأسواق والمراكز القوية والمستقرة.
عند تطبيق رؤية التكامل الإقليمي على أسس وضوابط صحيحة وعملية ستتشكل كتلة جيوسياسية تملك ندية عالية ومؤهلة أمام القوى الإقليمية، وستفجر طاقات كامنة في المجتمعات المحلية بالمبادرة وصياغة الأولويات وفق مصالحها واحتياجاتها. كما أنه على المستوى الشعبي سيؤدي الازدهار المشترك وتسهيل حركة الأفراد إلى تذويب الحدود النفسية، ليحل مفهوم المواطنة الإقليمية والتعايش محل النزاعات والمشاريع الضيقة، مع الحفاظ على الهويات والثقافات المحلية وتعزيز قيم التعاون والعمل المشترك.
ختاما… إن ما يشهده الصومال الآن هو عملية هندسة سياسية واعية، تهدف لبناء مركزية صلبة ترفض سياسات فرق تسد. وبدعم إقليمي واعي تضع فيه مقديشو وأديس أبابا حجر الأساس لعهد جديد من التكامل، حيث تكون القوة المركزية والسيادة الوطنية هما الضمانة الوحيدة لحماية المنطقة منالاستغلال والتدخلات العابرة للحدود وتحقيق الرخاء المستدام لشعوبها.














