الخلفية التاريخية
يعيش شعب العفر على أرضه التي أصطلح عليها جغرافيا باسم المثلث العفري، وظلوا يتمتعون بالاستقلال التقليدي، ولم يكونوا تابعين لأي جهة في المنطقة، إلا أنهم لم يكونوا يملكون أدوات أو نفوذ سياسي إقليمي أو دولي يمنع عنهم ما وقع عليهم من ظلم من قبل الاستعمار الغربي والجوار الحبشي، لأن سلاطين العفر لم تكن لديهم علاقات تعاون مقننة ومباشرة مع المستعرين الغربيين كما كان الأمر مع الإمبراطور منليك الثاني الذي كان يترتبط بعلاقات وتواصل جيد مع كل من فرنسا التي سيطرت على جيبوتي، وإيطاليا التي سيطرت على دنكاليا، وبريطانيا التي وقع معها معاهدة 1902 لترسيم الحدود بين إثيوبيا والصومال البريطاني.
ورغم مرور هذه الحدود عبر أراضي العفر، فإن الجانبين لم يشركا شيوخ و سلاطين العفر بقرار ترسيم هذه الحدود، بينما ضمت الدولة الإثيوبية الحديثة الجزء الأكبر من المثلث العفري بالتفاهم مع المستعمرين الذين كانوا يرون فيها شريكا يمكن الاعتماد عليه، وذلك لتمرير ما دبر من تقسيم للمثلث العفري على النحو الذي عليه اليوم، ودون مشاركة أو علم كافٍ من سلاطين المثلث العفري آن ذاك.
ورغم تعدد السلاطين كان العفر يعيشون ضمن المثلث العفري بانسجام تام غائبين تماما عن التفاصيل المتعلقة بتقسيم أراضيهم والتفاهمات التي عقدتها قوى الاستعمار الأوروبي مع منليك الثاني لتقرير مصير هذه المنطقة وأهلها باعتباره “الملك الشرعي” للمرتفعات وما جاورها وفق ما كان يصف به نفسه.
فمنليك الثاني شرع بتوسيع حدود إثيوبيا منذ أن أصبح ملك شوى عام 1866م، وفور توليه عرش الامبرطورية الإثيوبية خلفا ليوهانس عام 1889م قام منليك الثاني بحملة توسع ضخمة تكملة لما بدأه يوهانيس من عام 1870م وذلك من منطلقه في المرتفعات الشمالية إلى مناطق الجنوب والشرق والغرب وخلال هذه الحملات ضم مناطق مثل: أوروميا، سيداما، ولايتا، وجنوب أمهرا، وبني شنقول، وقبائل غامبيلا، ليكتمل هذا التوسع وتتأسس إثيوبيا يشكلها الحالي.
وفي ذلك الاطار قام منليك الثاني بضم الجزء الأكبر من المثلث العفري بمباركة المستعمرين دون مشاركة أو علم شيوخ وسلاطين العفر في حينه، ومع انتصاره على الجيش الإيطالي في معركو عدوة عام 1896م وتوقيع معاهدة أديس أبابا التي اعترفت بموجبها إيطاليا بسيادة إثيوبيا قام منليك الثاني بترسيخ هيمنته على كل الأراضي التي سيطر عليها سواء بقوة السلاح أو بموافقة المستعمرين كما كان الحال مع المسألة العفرية، او بموافقة سلاطين المناطق الأخرى .
وبعد ذلك قام الإمبرطور بتوقيع اتفاقيات مع القوى الاستعمارية في المنطقة لترسيم الحدود، و تم تجاهل الهياكل الإدارية التي كانت تعود للعفر في المنطقة.
وبالرغم من استمرار تمتع سلاطين العفر بالسلطة التقليدية شكليا إلا أن السيادة السياسية قد سحبت منهم مما أدى إلى وقوع العفر تدريجيًا تحت الحكم المركزي الإثيوبي، وهو الذي يجسد ما رضي به الشعب العفري في الفترات الاستعمارية وما تبعها من تشكل الدول القطرية على الأشكال والكينونة الحالية بعد جلاء الاستعمار من المنطقة.
العفر والهوية الإثيوبية
رغم العيوب الجوهرية في طريقة ضم الأراضي العفرية إلى إثيوبيا وما اتسمت به فترة منليك الثاني ومن بعده الإمبرطور هيلي سلاسي من تكريس لطريقة حكم اتسمت بالمركزية والهيمنة الثقافية والتفاوت الإجتماعي ورغم زوال هذه الأمور فيما بعد واستبدالها بدكتاتورية “الدرج” المفرطة التي عان منها جميع الإثيوبيين بلا استثناء، وبالرغم مما تعرض له الشعب العفري من تهميش إستثنائي لا مبرر له من قبل الحكومة المركزية فإن الشعب العفري قبل بانتمائه إلى الهوية الإثيوبية العامة وصار جزءا أصيلا في الوطن الإثيوبي.
والغريب في الأمر فالأنظمة المتعاقبة على إثيوبيا الحديثة تنظر إلى المسألة العفر من منظورالأرض الاستراتيجية أمنيا واقتصاديا دون إعارة النظر للإنسان العفري ومتطلباته التنموية والنظر إليه كشريك في الوطن له حقوق وعليه واجبات تتطلب إشراكه في القرارات المصيرية المتعلقة في البقعة التي يقطنها، وذلك بما يتجاوز ما أشرنا إليه من اعتبارالعفر حماة خط الدفاع الأول لضمان استمرار عجلة التنمية في الهضبة الإثيوبية وسد المخاطر في حالات حدوث التهديدات الخارجية.
وخير دلبل على ذلك ما حدث عندلجوء الإمبرطور هبلي سلاسي إلى بريطانيا عام 1936م، إذ بقي سلاطين العفر يدافعون عن السيادة الإثيوبية بذواتهم إذ أن أحد سلاطين العفر وهو سلطان سلطنة جريفو السلطان ياسين حيسما وقع في أسر الإيطليين وهو في خندق الدفاع عن السيادة الإثيوبية ولم يجد من يتابع قضيه أويعتبره بطلا قوميا، وبسبب هذه التضحيات والمواقف لم يتمكن المستعمر الإبطالي من التوغل إلى عمق الأراضي الإثيوبية من البوابة العفرية، ومع كل ذلك فإن العفرين لا يزالون يشعرون بأن ما يقدمونه من أثمان لأجل إثيوبيا هي أضعاف ما يحصلون عليه لقاء تضحياتهم المتواصلة عبر التاريخ من أجل السيادة الإثيوبية.
دور العفر المنشود في استعادة إثيوبيا لميناء
إن كانت إثيوبيا حقا تسعى لاستعادة ميناء عصب، فإن هذه المسألة بحاجة إلى تحقق مقدمات وعوامل يجب أن يحسب لها ألف حساب قبل الشروع في رحلة السعي لتحقيق هذه الغاية.
وهنا لست بسدد تناول كل هذه المقدمات والعوامل بقدر ما أود استعراض العامل الأهم الذي هو العامل العفري، إذ أن رغبة إثيوبيا في الحصول على المنفذ البحري لا يكفي أن تمر عبر الجغرافية العفرية بقدر ما يتطلب الأمر ضمان وقوف العفريين مع المطالب الإثيوبية من منطلق التحقق من أن النتيجة النهائية لمسألة البحث عن المنفذ البحري ستعود على العفريين بمردود إيجابي يحفظ حقوقهم المشروعة.
ومؤشرات التحقيق لذلك تبدء من إعتبارالعفر حجر الأساس في أي خوض لغمار استعادة المنفذ البحري باتجاه دنكاليا. أقول ذلك وأنا على علم بما بذل من جهود للتواصل مع بعض النخب العفريين في حالات متفرقة، لكن هذه المسألة في نظري يجب أن تعرض على الأمة العفرية في إطار أوسع مما حدث حتى الآن،بحيث تتم الإجابة على الأسئلة التاريخية والمصيرية لهذه الأمة من قبيل:
هل ما تسعى إليه إثيوبيا هو إستعادة ميناء عصب أم عموم دنكاليا؟ ولو افترضنا أن إثيوبيا تسعى لاستعادة عموم دنكاليا ما هو الوضع السياسي الذي ينتظر هذه المنطقة؟ وما هو الدور المنوط للعفر في خضم استرجاع هذه الجغرافيا؟ وما هي الضمانات التي ستعطى للشعب العفري على جانبي الحدود لتقليل خسائره وتعويض أضراره؟
كل هذه الأسئلة ومثيلاتها يجب أن تجد إجابات صريحة من جانب الحكومة المركزية، ليكون الشعب العفري وعلى كل المستويات على بينة من أمره ليقرر دوره بخصوص هذه المسألة المصيرية.
الشعب العفري يستحضر تجاربه السيئة مع الأنظمة المتعاقبة على إثيوبيا الحديثة، وهو ما سيضع الساسة العفريين قبل شعبهم في مواقف صعبة يستحيل معها تجاوز إنجازاتهم أقوال المسايرة اللفظية للمناخ العام حول هذه المسألة، وبالتالي سبنجم عن أي تجاهل لمعالجة هذه المسألة بالشكل الصحيح أحد الأمرين أحلاهما مر، وهما استمرار النهج المعتاد المتمثل بغياب مشاركة العفريين الفعالة في صنع الأحداث المصيرية كما جرت العادة أو إخفاق الحكومة الإثيوبية في تحقيق ما تسعى إليه والمتعلق بالوصول إلى البحر مرة أخرى بسبب غياب فعالية العامل العفري.














