هل  يحسم مستقبل الشرق الأوسط في القرن الأفريقي.

إدارة الأخبار والتقارير17 مارس 2026Last Update :
هل  يحسم مستقبل الشرق الأوسط في القرن الأفريقي.

مقال جروسليم بوست للكاتب شموئيل ليغيسي، ناشط مجتمعي، وخبير في الدبلوماسية. وقد شغل مناصب في مدينة نيويورك، اسرائيلي من أصول إثيوبية.

عندما كنت طفلاً في إثيوبيا، كان كبار قريتي يتحدثون عن البحر الأحمر لا كمفهوم جيوسياسي، بل كبوابة للعالم.

لطالما عبر التجار والحجاج والمسافرون هذه المياه لقرون، رابطين أفريقيا بالشرق الأوسط وما وراءه. 

قبل ظهور طرق الشحن الحديثة والقواعد البحرية، أدرك سكان القرن الأفريقي حقيقةً يُعيد العالم اكتشافها الآن: من يُؤمّن الوصول إلى البحر الأحمر يُؤثر على الجسر الرابط بين القارات.

اليوم، بات هذا الدرس مُلحًا. يمر ما يقرب من 15% من التجارة العالمية عبر ممر البحر الأحمر، رابطًا أوروبا وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.

ومع ذلك، فقد أدى عدم الاستقرار السياسي المحيط بالمنطقة، من السودان إلى إريتريا إلى الصومال، إلى خلق فراغٍ تتنافس فيه التنافسات الإقليمية والجماعات المسلحة والقوى العالمية على النفوذ بشكل متزايد. لم يعد ما يحدث في شرق أفريقيا محصورًا في شرق أفريقيا.

الجذور التاريخية للتشرذم السياسي في المنطقة

التشرذم السياسي في المنطقة له جذور تاريخية عميقة. فقد حافظت إثيوبيا لقرون على منفذها إلى البحر الأحمر، وكانت من أقدم الدول الأفريقية التي حافظت على استمراريتها. 

وضُمّت إريتريا إلى إثيوبيا بعد انتهاء الحكم الاستعماري الإيطالي في أربعينيات القرن العشرين.

لكن بحلول أوائل ستينيات القرن العشرين، ظهرت حركات مسلحة مثل جبهة التحرير الإريترية، في فترة انتشرت فيها الأيديولوجيات الثورية والقومية العربية في أجزاء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 

ونظرت عدة حكومات في المنطقة إلى الصراع الإريتري من منظور طموحات جيوسياسية أوسع.

وبمرور الوقت، أعادت الحرب تشكيل المشهد السياسي للقرن الأفريقي، وعمّقت التوترات التي لا تزال تؤثر على المنطقة حتى اليوم.

وبالنسبة للعديد من الإثيوبيين، كان الصراع أيضًا بمثابة تحدٍّ لدولة حضارية عريقة، متجذرة في تقاليد دينية مميزة.

عندما كنت طفلاً في إثيوبيا، كان كبار قريتي يتحدثون عن البحر الأحمر لا كمفهوم جيوسياسي، بل كبوابة للعالم.

بعد عقود من الحرب، انفصلت إريتريا عن إثيوبيا عام ١٩٩٣، تاركةً إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، دون منفذ مباشر إلى البحر الأحمر. ومع ذلك، لم يُفضِ الاستقلال إلى التعددية السياسية. فقد ظلت إريتريا تحت نظام سياسي واحد وزعيم واحد لأكثر من ثلاثة عقود، لتصبح واحدة من أكثر البيئات السياسية تحكماً في العالم.

تتجاوز تداعيات هذه التحولات حدود إريتريا بكثير. فإثيوبيا نفسها، إحدى أقدم الحضارات في أفريقيا، والتي كانت تاريخياً ركيزة للاستقرار الإقليمي، تواجه الآن توترات داخلية متزايدة. وقد باتت السياسة الحديثة تُنظّم السلطة بشكل متزايد من خلال الفيدرالية العرقية والحركات السياسية المتنافسة، بدلاً من الهوية الوطنية المشتركة.

يرى النقاد أن الحكومة الحالية، المتأثرة بشدة بالقيادة السياسية الأورومية، قد عمّقت الاستقطاب العرقي، ويُنظر إليها أحيانًا من قِبل المعارضين على أنها غير متوازنة دينيًا في بلدٍ تشكّلت مؤسساته التاريخية على يد الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية التوحيدية.

سواء اتفقنا مع هذا التفسير أم لا، فإن الشعور بالإقصاء السياسي قد فاقم الانقسامات الداخلية وأضعف المؤسسات التي كانت تُسهم في تماسك المجتمع الإثيوبي.

مفترق طرق القرن الأفريقي الاستراتيجي

تتجاوز هذه التوترات حدود إثيوبيا بكثير. يقع القرن الأفريقي الآن عند ملتقى ضغوط جيوسياسية عديدة: عدم الاستقرار الداخلي، والتنافسات الإقليمية، والأهمية الاستراتيجية المتزايدة للبحر الأحمر. وقد ازدادت هذه الأهمية مع تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط عمومًا.

لا يُعد البحر الأحمر مجرد طريق تجاري، بل هو ممر استراتيجي يربط الشرق الأوسط بأفريقيا والمحيط الهندي. وقد أظهرت الجماعات المدعومة من إيران، بما فيها الحوثيون في اليمن، مدى هشاشة هذا الممر. تُؤدي الهجمات على الممرات الملاحية إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية، والتأثير على أسواق الطاقة، وتهديد الاستقرار الاقتصادي على نطاق أوسع بكثير من المنطقة.

بالنسبة لإسرائيل، يُمثل البحر الأحمر منفذًا حيويًا عبر ميناء إيلات. أما بالنسبة لدول الخليج، فهو يُشكل حدودًا للأمن والتجارة. وبالنسبة للقوى العالمية، بما فيها الولايات المتحدة والصين، فقد أصبحت المنطقة ساحةً لتوسع الوجود العسكري والاستثمار الاستراتيجي. بعبارة أخرى، أصبح القرن الأفريقي محورًا جيوسياسيًا يربط أفريقيا والشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، غالبًا ما تبقى السياسة الدولية تجاه المنطقة رد فعلٍ لا استراتيجية. ولا يظهر الاهتمام العالمي إلا بعد اندلاع الأزمات، كالحروب الأهلية، وتدفقات اللاجئين، أو الهجمات على الممرات الملاحية. ويتمثل النهج الأكثر جدية في إدراك أن استقرار شرق أفريقيا لا ينفصل عن استقرار الشرق الأوسط.

وتتردد هذه الحاجة إلى قيادة براغماتية بشكل متزايد في النقاشات السياسية الإسرائيلية. وقد جادل قادة مثل رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت بأن إسرائيل بحاجة إلى حكومة تُركز بشكل أقل على الاستعراضات السياسية وأكثر على حل المشكلات العملية. سواء اتفق المرء مع كل مقترح سياسي أم لا، فإن الحجة الأساسية تلقى صدىً لدى العديد من الناخبين: يجب على القيادة الإسرائيلية أن تُقلل من وقتها في الجدال وتُكرّس المزيد من الوقت للحكم.

إذا انزلق ممر البحر الأحمر إلى مزيد من عدم الاستقرار، فإن العواقب ستتجاوز حدود أفريقيا بكثير. قد تتعطل طرق التجارة، وقد تتصاعد الصراعات الإقليمية، وقد تجد الشبكات المتطرفة مساحةً جديدةً للعمل على طول أحد أهم الشرايين البحرية في العالم.

لكن قصة شرق أفريقيا ليست مجرد قصة أزمة، بل هي أيضًا قصة حضاراتٍ شكّلت تقاليدها الثقافية والدينية تاريخ العالم. فقد حافظت إثيوبيا على استقلالها لقرون، وحافظت على واحدة من أقدم التقاليد المسيحية على وجه الأرض.

وحافظت المجتمعات اليهودية الإثيوبية على التقاليد التوراتية في أفريقيا قبل وقت طويل من تأسيس دولة إسرائيل الحديثة. تُذكّرنا هذه التواريخ بأن القرن الأفريقي ليس ركنًا مهمشًا من العالم، بل هو ملتقى حضاراتٍ التقت فيه لآلاف السنين.

البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي على الخريطة. إنه الممر الضيق الذي قد يُحسم فيه مستقبل أفريقيا والشرق الأوسط والاستقرار العالمي قريباً.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept