ما بعد الجغرافيا: كيف يمكن لإثيوبيا إعادة تعريف معنى الدولة الحبيسة؟

عبد المعين عبد السلام3 سبتمبر 2026Last Update :
صورة تعبيرية منتجة بالذكاء الاصطناعي

منذ انفصال إريتريا عام 1993، توصف إثيوبيا بجملة تبدو وكأنها حقيقة سياسية بقدر ما هي حقيقة جغرافية: «أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان». ومع مرور الوقت، انتقل الوصف من الخرائط إلى التفكير نفسه، حتى بدا أحيانًا وكأن غياب الساحل يحدد بالضرورة حدود القوة الإثيوبية وخياراتها الاقتصادية وموقعها في البحر الأحمر.لكن الجغرافيا تحدد نقطة البداية، ولا ينبغي أن تحدد سقف الدولة.

ففي القرن الحادي والعشرين، لم يعد السؤال الأهم هو: هل تملك الدولة ساحلًا؟ بل: هل تملك خيارات الوصول، وقدرة النقل، والمعلومة، والعقود، والشراكات، والمؤسسات التي تجعل البحر جزءًا من اقتصادها وأمنها حتى من دون امتلاكه؟

بهذا المعنى، الدولة الحبيسة ليست فقط الدولة التي لا تطل على البحر. الدولة الحبيسة حقًا هي الدولة التي لا تملك بدائل. وإثيوبيا بدأت، ببطء ولكن بصورة لافتة، الانتقال من مناقشة الجغرافيا إلى بناء القدرة.

في أغسطس الماضي، اجتمعت مؤسسات إثيوبية مع المنظمة البحرية الدولية لصياغة خريطة طريق لإنشاء مركز وطني لتبادل المعلومات البحرية.

المنظمة نفسها أشارت إلى المفارقة: إثيوبيا دولة حبيسة، لكنها مرتبطة بعمق بالمجال البحري عبر التجارة الدولية، والأسطول التجاري، والإدارة البحرية.

المركز المقترح لا يمنح إثيوبيا ميناءً، لكنه يمنحها شيئًا مختلفًا: معرفة بحرية مؤسسية، وتنسيقًا بين مؤسسات الدولة، وحضورًا داخل منظومة أمن البحر الأحمر وغرب المحيط الهندي.

قد يبدو ذلك تفصيلًا فنيًا صغيرًا. لكنه في الحقيقة يكشف تحولًا في تعريف المسألة. فالدولة لا تبدأ حضورها البحري يوم ترفع علمها فوق رصيف ميناء. تبدأه عندما تعرف ما يجري في البحر، وتبني المؤسسات التي تتعامل معه، وتربط تجارتها وأمنها ومعلوماتها بشبكاته.

السيادة الاقتصادية لا تعني الاستغناء عن الشركاء

وهنا ينبغي أن نعيد قراءة اعتماد إثيوبيا على جيبوتي. المشكلة ليست في جيبوتي؛ فهي شريك حيوي أثبتت الجغرافيا والاقتصاد قيمة العلاقة معه، وستظل موانئها جزءًا أساسيًا من التجارة الإثيوبية. المشكلة في الاعتماد المفرط على خيار واحد مهما كان هذا الخيار موثوقًا.

السيادة الاقتصادية لا تعني الاستغناء عن الشركاء. تعني ألا يصبح شريك واحد، أو طريق واحد، أو عقد واحد، قادرًا على تحديد سقف خيارات الدولة.

ولهذا فإن البحث الإثيوبي عن منافذ إضافية ليس ترفًا جيوسياسيًا، ولا ينبغي اختزاله في عصب أو أي ميناء بعينه. المصلحة الأعمق هي بناء تعددية بحرية: جيبوتي، والموانئ الصومالية حيث تسمح الاتفاقات والسيادة الوطنية بذلك، وشبكات لوجستية جديدة، وربما ترتيبات أخرى تنشأ بالتفاوض والاستثمار والمصلحة المشتركة.

وقد قدم إعلان أنقرة بين إثيوبيا والصومال مبدأً مهمًا في هذا السياق: إمكانية الوصول الإثيوبي إلى البحر من خلال ترتيبات تجارية وتعاقدية تحترم سيادة الصومال. وهذه، في جوهرها، ليست تسوية لمشكلة واحدة فقط؛ بل نموذج لما يمكن أن تكون عليه القوة الإثيوبية حين تتحول الحاجة من مصدر نزاع إلى أساس للتعاقد. فالوصول لا يشترط الملكية، والسيادة لا تمنع التكامل. وهنا يكمن القرق الحاسم بين الحق في البحر والحق في الساحل.

لإثيوبيا مصلحة استراتيجية عادلة في وصول بحري آمن ومتعدد ومستدام. اقتصاد بهذا الحجم، وسكان بهذا العدد، وطموح صناعي بهذا الاتساع لا ينبغي أن يبقى أسير ممر وحيد. لكن قوة هذه الحجة لا تحتاج إلى انتقاص سيادة أي دولة ساحلية. على العكس؛ كلما استطاعت إثيوبيا تحويل حاجتها إلى عقود واستثمارات ومصالح متبادلة، أصبحت تلك الحاجة أكثر رسوخًا وأقل عرضة للصراع.

فالسيادة الحديثة ليست أن تمتلك كل شيء، بل أن تملك من البدائل ما يمنع الآخرين من امتلاك قرارك. وهذه الفكرة تتجاوز البحر.

الانتقال من الجغرافيا إلى الاستراتيجية

الإصلاح الاقتصادي الجاري في إثيوبيا، مهما كانت تكلفته الاجتماعية ومواطن ضعفه، يتحرك في الاتجاه نفسه: تحرير تدريجي لسوق الصرف، إعادة بناء الاحتياطيات، تعزيز الصادرات، وإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والسوق. فما علاقة ذلك بالبحر؟ كل شيء تقريبًا.

الدولة التي تريد تعدد الموانئ تحتاج إلى اقتصاد ينتج ما يكفي لتصبح تلك الموانئ محتاجة إلى تجارتها. وتحتاج إلى سكك وطرق وجمارك وتمويل وتأمين ومعلومات واتفاقات تجعل الممر التجاري منظومة اقتصادية، لا خطًا على الخريطة. الميناء وحده لا يفك الحصار الجغرافي. الشبكة هي التي تفعل. ولهذا قد يكون السؤال الإثيوبي القديم — «كيف نصل إلى البحر؟» — قد أصبح أصغر من المرحلة التي تدخلها البلاد.

السؤال الأجدر هو: كيف تبني إثيوبيا منظومة تجعل أكثر من بحر وأكثر من ميناء وأكثر من شريك مفتوحًا أمام مصالحها؟ حينها تتغير طبيعة التفاوض نفسها. الدولة التي تحتاج إلى ميناء واحد تتفاوض من موقع الحاجة، أما الدولة التي تستطيع الاختيار بين عدة ممرات فتتفاوض من موقع القيمة.

وهذا هو معنى الانتقال من الجغرافيا إلى الاستراتيجية. لكن لهذه الرؤية شرطًا لا يمكن القفز فوقه:

دعم الشراكة الإقليمية بالاستقرار الداخلي

فلا يمكن بناء حرية حركة خارجية مستدامة بينما تستهلك النزاعات الداخلية جزءًا كبيرًا من القدرة الوطنية. تيغراي وأمهرة وأوروميا ليست ملفات منفصلة عن البحر؛ إنها جزء من المعادلة نفسها. كل طريق تجاري، وكل استثمار، وكل شراكة إقليمية تصبح أكثر قيمة عندما تقف خلفها دولة مستقرة سياسيًا وقادرة على تحويل تنوعها الداخلي إلى قوة لا إلى منفذ للتدخل الخارجي.وهكذا يصبح مفهوم «الدولة الحبيسة» أوسع من الجغرافيا.

فقد تمتلك دولة ساحلًا طويلًا وتظل حبيسة اقتصاد ضعيف وخيار واحد وشريك واحد. وقد لا تمتلك دولة مترًا واحدًا من الساحل، لكنها تبني من الاتفاقات والبنية التحتية والمعلومات والتجارة شبكة تجعل البحر حاضرًا في اقتصادها وقرارها.

إثيوبيا لا تستطيع تغيير خريطتها من دون أن تدخل في صراع لا تحتاج إليه، لكنها تستطيع أن تغيّر معنى الخريطة. وهنا تكمن الفرصة الأكبر. فالمستقبل الإثيوبي لا ينبغي أن يُبنى على التخلص من صفة «الدولة الحبيسة» في الكتب، بل على جعل هذه الصفة أقل قدرة على تفسير واقعها.

عندما تصبح لإثيوبيا موانئ متعددة تستخدمها، وممرات متعددة تحميها، وشركاء متعددون يتنافسون على تجارتها، ومؤسسات تعرف البحر وتتعامل معه، لن تختفي الجغرافيا، لكنها ستفقد قدرتها على فرض المصير.

فالجغرافيا قد تمنع إثيوبيا من امتلاك الساحل، لكنها لا تستطيع أن تمنعها من امتلاك الخيارات.وهذه، في القرن الحادي والعشرين، قد تكون الصورة الأكثر نضجًا للسيادة.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept