انتهاء جلسات الحوار الوطني الإثيوبي اليوم باحتفال وطني مهيب لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد نهاية لمؤتمر سياسي طويل، وإنما باعتباره لحظة مفصلية في مسار بناء الدولة الإثيوبية الحديثة.
فليس من السهل أن تجمع دولة متعددة القوميات والهويات والتجارب السياسية والاجتماعية المعقدة أكثر من أربعة آلاف مشارك حول طاولة واحدة في مرحلته النهائية، وتضع أمامهم أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، ثم تنتظر منهم أن يبحثوا عن أرضية مشتركة.
مما استدعى رحلة طويلة من الاعداد، فقد استغرق التحضير لهذا المسار أربع سنوات، واتسعت المشاركة فيه لتشمل طيفاً واسعاً من المكونات والمناطق والفعاليات على المستويات التحصيرية، وانتهت استخلاص ثمانية محاور رئيسية، و96 قضية فرعية، و225 سؤالاً موجهاً للنقاش، وصولاً إلى نحو 400 توصية ومقترح للحلول، حظيت الغالبية الساحقة منها بالتوافق، فيما جرى التعامل مع النقاط الخلافية المتبقية عبر طرح البدائل وصولاً إلى الحسم.
هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تختصر قيمة التجربة، فالقيمة الحقيقية تكمن في الطريق الذي قطعته إثيوبيا من الاختلاف إلى التوافق.
عندما يتحول الحوار إلى وسيلة لفهم الآخر
منذ انطلاق المرحلة النهائية من الحوار الوطني، ظهرت قراءات متشائمة تعاملت مع طول العملية، واتساع جدول أعمالها، وظهور الخلافات الحادة بين المشاركين باعتبارها مؤشرات على التعثر، بل ذهب بعضها إلى التشكيك في قدرة الحوار على الوصول إلى نتيجة ذات معنى.
وكانت بعض التغطيات الإعلامية أكثر اهتماماً بمظاهر الاختلاف من اهتمامها بالسؤال الأهم: ماذا يحدث عندما تنتقل هذه الاختلافات من ساحات الصراع إلى طاولة الحوار؟ لكن النتيجة النهائية تقدم معياراً مختلفاً للحكم.
فالحوار الوطني لم يكن مطالباً بإلغاء الاختلاف؛ كان مطالباً بإدارته. وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم دلالات التجربة الإثيوبية.
فالدولة التي لا يوجد فيها اختلاف لا تحتاج إلى حوار وطني بهذا الحجم. أما الدولة المتنوعة التي تحمل داخلها سرديات متناقضة وتجارب متعددة ومطالب متضارية ومخاوف مختلفة، فإن نجاحها لا يقاس بمدى قدرتها على إخفاء هذه التباينات، وإنما بقدرتها على إدارتها بطريقة سلمية ومؤسسية.
لقد أتاح المسار الحواري الذي استمر لأربع سنوات وتم اختتامه اليوم للمشاركين من مناطق ومكونات وخلفيات مختلفة وانتماؤات إثنية ودينية بل من خلفيات تعليمية وتجارب عملية مختلفة أن يكتشفوا أن بعض القضايا التي تبدو بعيدة عن تجربتهم الشخصية تمثل لدى الآخرين مسائل ووجودية ومشكلة حياتية، مما أحدث تحولا مجتمعيا في فهم الآخر من شركاء الوطن
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش الحاد لم يكن بالضرورة علامة ضعف أوفشل ، كما حاول البعض تصويره، بل كان في كثير من الأحيان دليلاً على أن القضايا الحقيقية كانت حاضرة على الطاولة.، وعليه فلم يكن طول زمن الحوار في مراحله الأولى والنهائية ضعفاً؛ بل كان ثمنا لعمق الحوار وشموله.
وتكمن خصوصية التجربة أيضاً في حجم التنوع الذي اجتمع داخلها، فإثيوبيا ليست كتلة سياسية أو اجتماعية متجانسة. إنها دولة ذات تاريخ طويل، ومجتمعات متعددة، وهويات وتجارب مختلفة، وتصورات متباينة حول الدولة والحكم والعدالة والسلام والتنمية.
ولهذا كان من الطبيعي أن يدخل المشاركون إلى الحوار وهم يحملون رؤى مختلفة، وأن يطرح كل منهم القضايا التي يراها أكثر إلحاحاً من منظوره الخاص أو من منظور الشريحة المجتمعية التي يمثلها، لكن ما حدث داخل قاعات الحوار تجاوز مجرد عرض المطالب.
لقد أتاح المسار الحواري الذي استمر لأربع سنوات للمشاركين من مناطق ومكونات وخلفيات مختلفة وانتماؤات إثنية ودينية بل من خلفيات تعليمية وتجارب عملية مختلفة أن يستمعوا إلى تجارب بعضهم بعضاً، وأن يكتشفوا أن بعض القضايا التي تبدو بعيدة عن تجربتهم الشخصية تمثل لدى الآخرين مسائل ووجودية ومشكلة حياتية، مما أخدث تحول مجتمعيا بالغ الأهمية:
فلم يعد الإثيوبي ينظر إلى بلاده من موقعه وحده، بل بدء يراها من خلال تجربة إثيوبي آخر، وهذه ربما تكون إحدى أثمن نتائج الحوار، لأنها تبني شيئاً لا يمكن أن تنتجه القوانين وحدها: إنه الفهم المتبادل، والنظر إلى القضايا من منظور الطرف المخالف، وحين يفهم المواطن خلفية موقف المواطن الآخر، أو المجموعة الوطنية الكبرى مخاوف المجموعات الأقلية يصبح الاختلاف أقل قابلية للتحول إلى خصومة، وتصبح فرص البحث عن حل مشترك أكبر.
من أربعة آلاف مشارك إلى توافقات وطنية
كما أن البنية الشكلية للحوار ليست أقل أهمية من مضمونه، فقد جرى تنظيم المشاركين في مستويات ومجموعات متدرجة، بما سمح بالانتقال من النقاشات الواسعة إلى الحوارات الأكثر تركيزاً، ومن طرح القضايا إلى اختبارها ومناقشتها ثم صياغة المقترحات.
ونوقشت ثمانية محاور رئيسية تتصل بجوهر بناء الدولة، من بينها السلام، وبناء الدولة، ونظام الحكم والهيكل الفيدرالي، وسيادة القانون والمؤسسات، والشؤون الدينية، ومكافحة الفساد، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
ثم جاءت مرحلة أكثر دقة: تحويل النقاشات إلى مقترحات للحلول، وهنا ظهرت الحصيلة اللافتة: نحو 400 توصية ومقترح، حظيت الغالبية الساحقة منها بالتوافق، فيما عولجت نقاط الاختلاف بصيغ وبدائل مختلفة قبل الوصول إلى الحسم النهائي.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في أنها تكشف المسافة التي قطعتها العملية، فأكثر من أربعة آلاف شخص، ينتمون إلى خلفيات وتجارب ومواقف مختلفة، لم يكن مطلوباً منهم أن يتخلوا عن اختلافاتهم، وإنما أن يجدوا مساحة يمكن أن يلتقوا فيها مع الآخرين، وهذا ما يجعل الإنجاز سياسياً بامتياز.
الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة … إنجاز سياسي في تاريخ إثيوبيا المعاصر
في السياسة، لا يكفي مراقبة مسار الأحداث لحظة بلحظة؛ بل يجب مراقبة تطور الأحداث واستنتاج المعاني من تفاصيلها وتراكم لإدراك معاني النتائج التي تحققت في نهاية المشاريع السياسية.وهذا ينطبق على الحوار الوطني الإثيوبي. فالذين رأوا في الخلافات مؤشراً على الفشل لم ينتبهوا إلى أن وجود الخلافات كان جزءاً من سبب انعقاد الحوار أصلاً. والذين رأوا في طول مسار الحوار الذي استغرق اربع سنوات، ونقاشات المرحلة الأخيرة التي استمرت أكثر من شهر دليلاً على عدم القدرة على التوافق ربما أغفلوا طبيعة القضايا التي كانت مطروحة، والذين تعاملوا مع التوترات التي ظهرت أثناء العملية باعتبارها نهاية الطريق، لم يضعوا في حسابهم قدرة المؤسسات المنظمة للحوار على احتواء الخلاف وإعادته إلى مساره.
واليوم، وقد انتهت الجلسات وحسمت القضايا الخلافية، تبدو الصورة أكثر وضوحا، فلم يكن المطلوب أن يبدو المختلفون متفقين. بل كان المطلوب أن ينتهوا قادرين على الاتفاق. وهذا ما يجعل النتيجة أكثر أهمية من الانطباعات التي رافقت الطريق إليها.
فإذا قيس بحجم المشاركة، واتساع الأجندة، وعمق القضايا، وطول فترة الإعداد، ومستوى النقاش، وحجم التوافق الذي انتهى إليه، فإنه يمكن وصفه بأنه أكبر إنجاز سياسي وطني في تاريخ إثيوبيا الحديث من حيث اتساع المشاركة في مناقشة قضايا الدولة والوصول إلى توافقات وطنية بشأنها. من هنا يمكن فهم لماذا يستحق الحوار الوطني مكانة استثنائية في التاريخ السياسي الإثيوبي المعاصر، وهو في الوقت نفسه أحد أهم المشاريع المفصلية في مسار بناء الدولة الإثيوبية الحديثة.
وهذا التوصيف لا يعني أن الحوار أنهى مشكلات البلاد، ولا يعني أن كل الخلافات السياسية والاجتماعية اختفت، فهذا غير واقعي. لكن الإنجاز الأكبر هو أن إثيوبيا أصبحت تمتلك، بعد هذا المسار، رصيداً وطنياً واسعاً من القضايا التي نوقشت، والرؤى التي استمعت إليها، والتوصيات التي جرى التوافق حولها. لقد أصبحت هناك نقطة مرجعية جديدة يمكن البناء عليها.وهذا في حد ذاته إنجاز تاريخي.
وتكمن أهمية الحوار أيضاً في أنه لم يكتفِ بالبحث عن تسويات آنية. فالقضايا التي ناقشها تتجاوز إدارة أزمة بعينها إلى أسئلة الدولة نفسها: كيف ينبغي أن تُدار الدولة؟ كيف تُبنى مؤسساتها؟ كيف تُصان سيادة القانون؟
كيف يُدار التنوع؟ كيف يتحول السلام من مجرد غياب للعنف إلى عملية مستدامة للمصالحة؟ كيف تتحقق المشاركة والعدالة والمساواة؟ وكيف يمكن أن تصبح التنمية جزءاً من مشروع وطني شامل؟ هذه أسئلة لا تخص حكومة بعينها ولا مرحلة سياسية عابرة. إنها أسئلة بناء الدولة والمجتمع.
وهنا تتحول قيمة الحوار من مجرد وسيلة لتخفيف التوتر إلى مشروع لإعادة التفكير في الطريقة التي ينبغي أن تُدار بها الاختلافات داخل الدولة الإثيوبية. فالدولة الحديثة لا تنجح لأنها تمنع الاختلاف، وإنما لأنها تمتلك مؤسسات وآليات تسمح بإدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع مفتوح.
ولعل أهم ما يميز هذه اللحظة أن نتيجتها لا تحتاج إلى البحث عن منتصر أو مهزوم، فالحوار الذي ينتهي بانتصار طرف على طرف يعيد إنتاج الصراع بطريقة أخرى، أما الحوار الذي ينتهي بتوافقات واسعة، فإنه يحقق شيئاً مختلفاً. في إثيوبيا انتصر الحوار على القطيعة، وانتصر الاستماع على سوء الفهم، وانتصر التوافق على منطق الغلبة، والأهم: انتصرت فكرة أن إثيوبيا تستطيع معالجة خلافاتها في داخل المجال الوطني نفسه.
ولهذا فإن القول إن «إثيوبيا انتصرت» ليس مجرد عبارة احتفالية، إنه توصيف سياسي لنتيجة عملية: فالمكسب الأكبر ليس أن جماعة حصلت على كل ما تريد، وإنما أن مختلف الأطراف وجدت نفسها قادرة على قبول حلول مشتركة رغم استمرار الاختلاف في الرؤى، وهذه بالضبط إحدى علامات نضج الدولة والمجتمع.
ماذا بعد الحوار
لكن هنا ينبغي أن يكون الاحتفاء بالإنجاز مصحوباً بقدر كبير من المسؤولية، فالحوار الوطني انتهى بوصفه جلسات ومداولات، أما مشروعه الحقيقي فلم ينته، بل يمكن القول إن المرحلة الأصعب تبدأ الآن، فالتوصيات تحتاج إلى ترجمة مؤسسية، والتوافقات تحتاج إلى سياسات، والسياسات تحتاج إلى تشريعات وآليات تنفيذ، والثقة التي بدأت تتشكل تحتاج إلى أن تتحول إلى ممارسة سياسية مستدامة، وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة، وليس ذلك للتقليل من قيمة ما تحقق، وإنما لأن قيمة أي حوار وطني تتضاعف عندما تتحول مخرجاته إلى واقع يلمسه المواطن.
لقد أنجز الحوار مهمته الأساسية في فتح الباب، وجمع المختلفين، وتشخيص القضايا، وبناء مساحات التوافق، والآن يأتي دور الدولة والمجتمع والمؤسسات السياسية في العبور إلى مرحلة تجسيد مخرجات الحوار في أرض الواقع.
ومن هنا فلم يعد من المفيد سياسيا أن نبقى أسرى السؤال القديم: هل سينجح الحوار الوطني في إثيوبيا؟ ينتقل السؤال من «هل سينجح الحوار؟» بل إلى السؤال الذي ينبغي أن يهيمن على المرحلة المقبلة، إلى « ماذا بعد الحوار؟ »















