المرحلة التالية من حرب تيغراي: هل باتت الحرب الإرترية الاثيوبية وشيكة

إدارة الأخبار والتقارير4 أكتوبر 2026Last Update :
المرحلة التالية من حرب تيغراي: هل باتت الحرب الإرترية الاثيوبية وشيكة

مقال تحليلي للزعيم السياسي جوهر محمد حول المرحلة التالية من حرب تيغراي نشره بالانجليزية على صفحته في فيس بوكً

في تحليلاتي السابقة، ركّزتُ على الأسباب الكامنة وراء الخسائر الميدانية المتسارعة التي منيت بها “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”، وتساؤلتُ عما إذا كان بمقدور الجبهة الصمود وإشعال تمرد جديد بعد النكسة العسكرية التي لحقت بقواتها النظامية. واليوم، مع بسط الحكومة الفيدرالية سيطرتها على ميكيلي وانسحاب الجبهة من عاصمة الإقليم، تلتئم هاتان المسألتان في محور واحد؛ إذ بات السؤال الملحّ الآن: ما هي الوجهة المقبلة للجبهة؟ وهل ستنتقل المرحلة التالية من الصراع شمالاً نحو إريتريا؟

يتزامن ذلك مع تدهور حاد وشديد في العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة؛ إذ اتهمت إثيوبيا إريتريا بدعم جبهة تيغراي والمشاركة المباشرة في القتال، وهي اتهامات تنفيها أسمرة، في وقت وصلت فيه العلاقات الدبلوماسية بين الحكومتين إلى حد القطيعة التامة. وتدفع النكسة العسكرية للجبهة بكرة الصراع نحو الشمال، في توقيت بلغت فيه العلاقات بين آبي أحمد وإيساوريس أفورقي أدنى مستوياتها على الإطلاق.

ومع انهيار الهجوم الذي خططت له الجبهة جنوباً، فشلت كذلك استراتيجية إريتريا الرامية إلى إبعاد ساحة المعركة عن حدودها. وفي هذا السياق، ألمح دبرصيون غبرميخائيل إلى تحول الجبهة نحو “حرب الحركة” (العمليات المتنقلة) بدلاً من الاستمرار في الدفاع عن مواقع ثابتة. وتشير مصادر متعددة إلى أن قيادة الجبهة وهيكلها القيادي قد تحركا بالفعل نحو الحدود الإريترية، في مسعى واضح للتحول إلى حرب عصابات وتمرد. ورغم صعوبة التحقق بشكل مستقل من مواقعهم الدقيقة ونواياهم، فإن استمرار التحرك نحو الحدود الإريترية يجعل قدرة الجبهة على البقاء كقوة قتالية منظمة معتمدة بشكل متزايد على التطورات الحدودية، وهو ما يضع حكومتي إريتريا وإثيوبيا أمام مأزق حقيقي.

معضلة أفورقي

بالنسبة لإيساياس أفورقي، ينطوي السماح لقوات جبهة تيغراي بالعبور إلى داخل إريتريا على مخاطر مزدوجة ومتضاربة؛ فمن جهة، يتيح بقاء الجبهة وإعادة تنظيم صفوفها استمرار حرب الوكالة ضد خصمه الإثيوبي، كما يحافظ على تحالف المتمردين الذي ساهمت إريتريا في صياغته، والذي قد يضعف كثيراً إذا ما سُحقت الجبهة عسكرياً. ومن شأن الأراضي الإريترية أن تمنح الجبهة المساحة اللازمة لإعادة ترتيب أوراقها، مع الإبقاء على ورقة ضغط عسكري مهمة ضد آبي أحمد.

بيد أن السماح لقوات ضخمة من الجبهة بدخول إريتريا سيخلق لأفورقي أزمة في السيطرة والتحكم؛ إذ إن الحفاظ على الجبهة كقوة قتالية يظل مفيداً فقط ما دام متسقاً مع الحسابات الاستراتيجية لإريتريا. وبمجرد انطلاق العمليات العسكرية للجبهة ضد إثيوبيا من داخل الأراضي الإريترية، ستكون لها تداعيات مباشرة على أسمرة، مما يمنح أفورقي مصلحة قوية في التحكم بتوقيت ومكان وكيفية عودة هذه القوات إلى ساحة المعركة.

ومن جهة أخرى، فإن السماح لقوات الجبهة المهزومة بالعبور وإطلاق تمرد من داخل إريتريا قد يمنح آبي أحمد الذريعة القانونية لتجاوز الحدود بذريعة “الدفاع عن النفس”. وفي هذه الحالة، سيجد الأطراف الدوليون، الذين يضغطون حالياً على إثيوبيا وإريتريا لتجنب المواجهة المباشرة، صعوبة بالغة في مواصلة ضغوطهم إذا ما أثبتت إثيوبيا وجود تهديد مسلح مستمر ينطلق من الأراضي الإريترية. كما أن عمليات الجبهة المنطلقة من إريتريا ستدعم حجة أديس أبابا بأنها تواجه تهديداً أمنياً عابراً للحدود. وبعبارة أخرى، قد يؤدي توفير الملاذ الآمن للجبهة من قِبل أفورقي – عن غير قصد – إلى تسريع وتيرة المواجهة المباشرة مع آبي أحمد، وهي المواجهة التي سعى جاهدًا لتجنبها حتى الآن عبر الاعتماد على حرب الوكالة.

وتدخل السودان ومصر على خط هذه الحسابات الإقليمية الموسعة؛ إذ يمكن للسودان أن يشكل عمقاً استراتيجياً وممراً للإمدادات عبر الحدود الغربية، في حين يضفي النزاع المصري مع إثيوبيا وعلاقات القاهرة مع إريتريا بُعداً إقليمياً آخر. وكانت أديس أبابا قد اتهمت الدولتين بدعم التحالف الذي تقوده جبهة تيغراي، وهي اتهامات لا تزال محل جدل ونفي.

معضلة آبي أحمد

في المقابل، يفرض تحرك جبهة تيغراي نحو إريتريا تحدياً من نوع آخر على آبي أحمد؛ فملاحقة قوات الجبهة عبر الحدود قبل أن تتمكن من إعادة تنظيم صفوفها سيحرمها من الوقت اللازم للتحضير لتمرد جديد، بينما تركها خلف الحدود سيمنحها المساحة لالتقاط الأنفاس. ولا يزال يتعين على قوات الدفاع الوطني الإثيوبية تثبيت سيطرتها على الأراضي التي استولت عليها خلال تقدمها السريع، والتعامل مع ما تبقى من تشكيلات الجبهة، والتعافي من تبعات القتال الأخير، فضلاً عن أن دخول إريتريا يحمل مخاطر الاصطدام المباشر مع الجيش الإريتري.

كما أن توقيت أي عملية إثيوبية سيشكل طبيعة الرد الدولي، لا سيما إذا لم تشن الجبهة بعد هجمات من الأراضي الإريترية، ولم تتمكن أديس أبابا من إثبات وجود تهديد وشيك عابر للحدود يكفي لإقناع المجتمع الدولي بقبول توغل عسكري إثيوبي داخل إريتريا. والتحرك قبل وضوح هذا التهديد قد يحول الصراع من حرب ضد خصم مسلح داخلي إلى مواجهة بين دولتين، ويمنح أفورقي مبررات أقوى لتصوير إثيوبيا كدولة معتدية.

أما الانتظار فيحمل في طياته مخاطر عسكرية كبرى؛ إذ يمنح جبهة تيغراي الوقت للتعافي وإعادة التنظيم، في حين قد يعمد حلفاؤها الخارجيون إلى إمدادها بالأسلحة والقدرات الأخرى. كما سيكتسب التحالف المكون من إريتريا والجبهة وقوى أخرى الوقت الكافي لتطوير هيكل قيادي واستراتيجية عملياتية أكثر تكاملاً، مما قد ينتج عنه تمرد يصعب احتواؤه لاحقاً.

وعلاوة على ذلك، فإن عامل الوقت يحمل دلالات مختلفة للأطراف الثلاثة؛ فالجبهة بحاجة إليه لإعادة التنظيم، وآبي أحمد يسعى لحرمان خصمه من هذه الفرصة مع تعزيز مكاسبه، بينما يوازن أفورقي بين قيمة منح الجبهة الوقت وبين خطر أن يؤدي تعافيها إلى تسريع المواجهة المباشرة مع إثيوبيا.

وقد يلجأ آبي أحمد إلى إحكام السيطرة داخل تيغراي، وتعزيز الحدود، وتكثيف الضغط على إريتريا قبل التفكير في أي عمل عسكري مباشر. وستعتمد فعالية هذا النهج على مدى قدرة أديس أبابا على منع الجبهة من تأسيس قاعدة تمركز دائمة لها خلف الحدود.

إلى أين تتجه الحرب؟

إذا سمح أفورقي لقوات جبهة تيغراي بالعبور والاستقرار داخل إريتريا، سيجد آبي أحمد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بتمرد مستقبلي دائم، أو تحمل المخاطر الجسيمة لملاحقة المتمردين عبر حدود دولية.

ويمكن القول إن إعادة نشر فرق عسكرية إضافية مؤخراً من وسط البلاد نحو الشمال، بالتزامن مع نقل معدات لوجستية تشمل جسوراً متحركة، قد يتماشى مع الاستعدادات لعمليات في مسرح العمليات الشمالي، وإن كانت الغاية الدقيقة منها لا تزال غير واضحة. هذه التحركات لا تؤكد أن أديس أبابا اتخذت قراراً بدخول إريتريا، لكن اتجاهها وطبيعة تكوينها تستدعيان مراقبة وثيقة.

إن حسم مسألة استقرار الجبهة خلف الحدود الإريترية من عدمه هو ما سيحدد الآن مدى اقتراب قرارات آبي أحمد وإيساياس أفورقي من حافة المواجهة العسكرية المباشرة.

وما لم يمنع أفورقي قوات جبهة تيغراي من العبور، أو يحدث خرق دبلوماسي يجمع آبي وأفورقي إلى طاولة المفاوضات، فإن الصراع – في تقديري – يوشك على دخول مرحلته الأكثر خطورة، وهي المرحلة التي ستنتقل فيها ساحة المعركة من إقليم تيغراي إلى عمق الأراضي الإريترية.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept