قراءة في حدود الخطاب وأدوات الفعل
منذ أن تحدث رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد مطالبة بلاده في الوصول إلى البحر تكرر رد الفعل المصري بصيغة شبه ثابتة لا تتغير من مسؤول لآخر تقول: (حوكمة وأمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، ولا يجوز لأي طرف غير مشاطئ الانخراط في ترتيبات أو تفاهمات تخصه). هذه الصيغة تكررت على لسان وزير الخارجية بدر عبد العاطي في فبراير 2026 خلال مؤتمر صحفي مع نظيره السنغالي، حين قال حرفيا: “نرفض أي نفاذ عسكري للبحر الأحمر لأية دولة غير مشاطئة”، وتكررت مجددا في لقائه مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، ثم في بيان مشترك مع نظيره الإريتري يوم 19 يوليو 2026 حين أكد الوزيران أن أمن وإدارة البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، معربين عن رفضهما الكامل لأي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق.
اللافت أن هذه التصريحات كما يلاحظ محللون لا تسمي في الغالب إثيوبيا صراحة، لكنها جاءت في سياقات تزامنت مباشرة مع تصريحات آبي أحمد عن المنفذ البحري، وهو ما دفع مراقبين إلى القول إن الرسالة موجهة لأديس أبابا تحديدا. فهل هذا التكرار المتصاعد هوس سياسي، أم حسابات أمن قومي مبررة؟ هذا هو محور السؤال الذي يطرح نفسه، ويحتاج للإجابة.
لماذا هذا الاهتمام المصري الذي يصفه البعض بالهوس؟
الاهتمام المصري ليس وليد اللحظة ولا منفصلا عن ملف سد النهضة. فمصر تنظر إلى الملفين – مياه النيل ومنافذ القرن الأفريقي ـ على أنهما وجهين لمعادلة توازن النفوذ الإقليمي. وتفكيرالقاهرة أن إثيوبيا دولة حبيسة، ونفوذها البحري الحالي معدوم، وأي منفذ بحري – ولو كان تجاريا – سيمنحها أدوات ضغط عسكرية ولوجستية جديدة في منطقة تعتبرها مصر امتدادا لأمنها القومي، وبحسب الصياغة التي يكررها السيد عبد العاطي حين يصف القرن الأفريقي بأنه امتداد مباشر للأمن القومي المصري. وبعبارة أخرى يمكن القول أن مصر لا تقلق من امتلاك إثيوبيا لميناء، بقدر ما تقلق من تحول إثيوبيا لند إقليمي في نزاع النيل إلى قوة بحرية فاعلة في المضايق التي تمر منها تجارة مصر وقناة السويس بمشاركتها الإشراف على باب المندب.
هل هناك ازدواجية معايير فعلية؟
المعطيات تجيب بنعم، وهي ازدواجية توثقها الأرقام لا الانطباع فقط. فمصر عضو بقوة المهام البحرية المشتركة (Combined Maritime Forces / CMF)، وهي شراكة بحرية متعددة الجنسيات مقرها البحرين، تضم 47 دولة ، وتدار بقيادة نائب أميرال أميركي مع نائب قائد بريطاني، وتشمل عضويتها دولا لا تطل على البحر الأحمر ولا خليج عدن، كأستراليا والبرازيل وكندا وكوريا الجنوبية وبلجيكا والدنمارك وبولندا وتركيا (بحسب قوائم الأعضاء الرسمية للتحالف). هذا التحالف يشمل ضمن مهامه تحديدا مهمة الأمن البحري في البحر الأحمر (CTF Red Sea Maritime Security) كواحدة من فرقه الخمس.
بمعنى آخر من الدقة القول أن مصر لا تعترض من حيث المبدأ على وجود عشرات الدول غير المشاطئة فعليا وميدانيا في أي ترتيبات حول أمن البحر الأحمر – بل وأن تكو شريكا فيها – لكنها تعترض تحديدا على أن تكون إثيوبيا هي الدولة غير المشاطئة التي تحصل على موطئ قدم. لا يعني هذا بالضرورة أن الموقف المصري غير منطقي، بينما هو يعني أن الحجة القانونية المجردة “لا يجوز لغير المشاطئ أن يشارك” ليست هي التفسير الحقيقي. بل التفسير الحقيقي سياسي وليس قانونيا. فقبول أو رفض مصر مرتبط بهوية الفاعل، مخافة أن يصبح فاعلا إقليميا جديدا، وليس بمبدأ عام تطبقه القاهرة على الجميع بالتساوي.
هل إثيوبيا معنية بأمن البحر الأحمر
الإجابة المباشرة نعم وبدرجة يصعب اعتبار اهتمامها طموحا توسعيا. فإثيوبيا التي تحولت لدولة حبيسة باستقلال إريتريا عام 1993، وأصبحت تعتمد على ميناء جيبوتي بما يقارب 95% من تجارتها الخارجية. وهذا الاعتماد على ميناء واحد في دولة واحدة يجعل الاقتصاد الإثيوبي بأكمله رهينة لأي توتر سياسي أو أمني أو حتى فني في جيبوتي نفسها، وهي هشاشة استراتيجية حقيقية وليست مبالغا فيها. من هذه الزاوية، فإن سعي أديس أبابا لتنويع منافذها عبر بربرة في أرض الصومال، أو محاولات مع كينيا والسودان وإريتريا له منطق اقتصادي وأمني مشروع من منظور أي دولة تريد تقليل مخاطر التبعية اللوجستية لجارة واحدة.
كما أن وضع جيبوتي كمركز مزدحم بالعديد من القواعد العسكرية لنحو 12 دولة من بينها أمريكا وبريطانيا وفرنسا والصين وألمانيا وغيرهم يجعل الأمر بالنسبة لإثيوبيا مصدر قلق حقيقي وبأي وقت، ويزداد بالنظر للوضع الذي تمر به المنطقة والعالم، مع الأخذ بالاعتبار الأوضاع في الخليج العربي والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والأوضاع في اليمن ودور البحر الأحمر وباب المندب كممر دولي مهم تمر عبره أكثر من 12% من تجارة العالم وفي الصميم من ذلك البترول والغاز، وتجارة إثيوبيا جزء من ذلك وحيوي بالنسبة لها مثل الآخرين فكيف لا تكون معنية ومشاركة في الحفاظ عليه ولو لم تكن دولة مشاطئة.
هل تبرر خلافات النيل فرض وصاية مصرية على موانئ الجوار الإثيوبي؟
يجب الفصل بين الخطاب المصري المعلن والفعل الميداني. الخطاب المعلن يقول إن الموقف مبدئي وليس موجها ضد إثيوبيا حصرا، لكن الوقائع الميدانية تؤكد بأن مصر لا تكتفي بالرفض الخطابي، بل تتحرك فعليا لتعزيز حضورها في الدول المحيطة بإثيوبيا تحديدا في التوقيت الذي تشتد فيه الخلافات حول سد النهضة. ففي أغسطس 2024 وقع بروتوكول تعاون عسكري مشترك بين مصر والصومال، تزامن مع افتتاح مقر جديد للسفارة المصرية في مقديشو، ثم الحديث عن وصول قوات مصرية إلى الصومال لاحقا للمشاركة في قوات حفظ السلام الأفريقية وقوات مصرية مستقلة قوامها عشرة آلاف جندي كما هو معلن.
في ديسمبر 2025 وقعت مصر مع جيبوتي حزمة اتفاقيات في مجالات تطوير الموانئ والطاقة واللوجستيات، وشملت مشروعا للطاقة الشمسية لمحطة حاويات دوراليه – الميناء الذي يعد الشريان الرئيسي لتجارة إثيوبيا – إلى جانب افتتاح بنك مصري – جيبوتي. وتقارير عربية تتحدث وتصف هذه الخطوات بأنها تمنح القاهرة نفوذا غير مسبوق على أحد أهم شرايين الاقتصاد الإثيوبي، وأن مسؤولين وبرلمانيين إثيوبيين عبروا عن قلقهم من أن التحركات المصرية في جيبوتي وإريتريا تستهدف أي تواجد إثيوبي على ساحل البحر الأحمر، واعتبره البعض تهديدا موجها بشكل مباشر ومقصود.
بغض النظر عن دقة توصيف الحصار الذي تستخدمه بعض التقارير التي تتحدث عن التحرك المصري وما يستهدفه، فإن الواضح أن مصر لا تكتفي بالقول إن ملف النيل منفصل عن ملف الموانئ، بل تحاول أن تدير الملفين كأدوات ضغط متبادلة على نفس الطاولة. وهذا يظهر أن الخلاف على النيل اعتبرته مصر مبررا لها في التدخل في علاقات إثيوبيا مع جيرانها، لكنه من الناحية الواقعية هو المحرك الفعلي لتكثيف هذا التدخل، وليس مجرد صدفة.
هل تملك مصر أدوات لمنع إثيوبيا من الحصول على منفذ؟ أم هو خطاب موجه للرأي العام؟
الإجابة نعم كلاهما معا، ولكن بنسب متفاوتة. فمن جهة لا تملك مصر أدوات قانونية أو عسكرية مباشرة لمنع التوقيع على اتفاقية ثنائية مع أي دولة ساحلية ذات سيادة تقبل استضافتها، فلا جيبوتي ولا الصومال ولا كينيا ولا غيرها مضطرة لاستشارة القاهرة قبل توقيع اتفاق مع أديس أبابا. وعليه فإن تصريحات وزير الخارجية موجهة لتحشيد الرأي العام المصري والإقليمي، ولتذكير الشركاء الأفارقة والعرب بالموقف المصري قبل أي استحقاق، ولإحراج أديس أبابا دبلوماسيا بوصف أي تحرك لها بأنه خرق للقانون الدولي دون سند قانوني واضح يمنع دولا حبيسة من إبرام اتفاقيات نفاذ تجاري مع جيران ساحليين – فهذا أمر معمول به دوليا.
من جهة أخرى مصر تملك أدوات نفوذ غير مباشرة وحقيقية، ويتمثل في نفوذ اقتصادي ولوجستي كما في جيبوتي، كما في اتفاقيات ميناء دوراليه، والبنك المشترك، ومشاريع الطاقة، ويمنحها التأثير داخل الميناء الذي يمرر القسم الأكبر من صادرات وواردات إثيوبيا. مع تحالفات عسكرية وأمنية مع الصومال وإريتريا، وهما الطرفان الأكثر حساسية لرغبات إثيوبيا للحصول منفذ عبر سواحلهما. ومصر ثقل إعلامي ودبلوماسي إقليمي ودولي معتبر، بحكم العضوية والريادة بجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ما يمكنها من تعبئة مواقف رافضة أو متحفظة تجاه أي ترتيب يبدو التعاون الإقليمي.
فالخلاصة أن مصر لا تستطيع منع إثيوبيا بقرار مباشر، لكنها تستطيع رفع كلفة أي مسار بحري إثيوبي سياسيا واقتصاديا وأمنيا – وهوما تفعله بالفعل ـ بينما تستخدم الخطاب الإعلامي كغطاء تعبوي مواكب لهذه الأدوات الفعلية، وليس بديلا عنها.
لماذا لا يتحول هذا الصراع إلى شراكة إقليمية؟
من الناحية النظرية البحتة، الحل الذي يرى تحويل الصراع إلى شراكة هو الأكثر عقلانية اقتصاديا وسياسيا بل وأمنيا، فمصر تملك خبرة ملاحية ولوجستية اكتسبتها بإدارة وتشغيل قناة السويس، وشركات الموانئ. وإثيوبيا والقرن الأفريقي سوق استهلاكي ضخم يتجاوز 150 مليون نسمة، مع نمو اقتصادي يحتاج بنية تحتية بحرية. وشراكة متعددة بين مصر وإثيوبيا والدول الساحلية لتطوير ممرات لوجستية يمكن أن توفر على الجميع كلفة التنافس. لكن يصعب حدوثه في المدى القريب، لأن العقل الاستراتيجي لكلا الطرفين ليس مهيئا لمثل هذا التحول، وخاصة أن القاهرة ترى أي تنازل يقوي يد إثيوبيا التفاوضية في ملف سد النهضة، وفي ظل غياب حل جذري لملف مياه النيل فإن أي شراكة في المنطقة هشة ومشكوكا فيها من الطرفين.
وفي الختام… الموقف المصري يجمع ثلاثة عناصر متشابكة يصعب فصلها: قلق استراتيجي من تحول إثيوبيا لقوة بحرية فاعلة في محيط قناة السويس، وازدواجية معايير موثقة حين تستثنى الدول الغربية والآسيوية من نفس المبدأ الذي يطبق على إثيوبيا حصرا رغم عضوية مصر ذاتها في تحالفات بحرية تضم دولا غير مشاطئة، وأدوات ضغط اقتصادية وعسكرية فعلية لا مجرد خطاب تستخدم لرفع كلفة أي مسار بحري إثيوبي مستقل.
أما إثيوبيا فتستند إلى منطق يجمع بين مستوجبات الامن القومي الاستراتيجي التي تحتم عليها تأمين وصول مؤمن ومستدام إلى البحار العليا وضرورات اقتصادية تفرض تنويع منافذ الاستيراد والتصدير لدولة حبيسة تعتمد على ميناء واحد بنسبة تفوق 90%، لكنها تصطدم بواقع الجغرافيا السياسية للقرن الأفريقي والشرق الأوسط والتي تجعل أي خطوة منها تقرأ كتهديد لجيرانها المباشرين وهي الفزاعة التي تعمل القاهرة على ترويجها في إطار تعاطيها التقليدي مع اديس.
















